حين يسبق التأويل النص -تبدأ الحكاية…

  
مروان صباح : 
الوعى سلاح درء الفتن على السوشيال ميديا.. كاريكاتير اليوم السابع - اليوم السابع     كثيرًا ما يردد بعض الأصدقاء أن أفكاري ، أو أفكار من يتفقون معها ، لا تشوبها شائبة ، ولعل في هذه العبارة من حسن الظن أكثر مما فيها من الحقيقة ، لأن الإنسان ، مهما بلغ من العلم أو الخبرة ، يظل محكومًا بحدود عقله ، كما يظل البصر محكومًا بحدود الرؤية ، والسمع بحدود الموجات التىّ يستطيع التقاطها ، فالقصور ليس عيبًا في الإنسان ، بل هو جزء من تكوينه ، ولذلك لم يجعل الله العصمة إلا للوحي ، ومن هنا ، فإن أخطر ما يواجه العقل ليس الجهل ، وإنما الوهم بأنه تجاوز حدوده ، فالجاهل قد يتعلم ، أما من يعتقد أنه امتلك الحقيقة كاملة ، فلن يرى سببًا يدفعه إلى مراجعة نفسه ، وهكذا يتحول الاجتهاد إلى يقين ، ويصبح التأويل سلطة ، لا أداةً للفهم ، ربما لهذا لم يكن أول اختبار في تاريخ الخليقة متعلقًا بالقوة أو بالعبادة ، وإنما بالطاعة ، فقد كان إبليس يعرف ربه ، ولم يكن منكرًا لوجوده ، بل كان من العابدين ، ومع ذلك ، لم يسقط لأنه جهل الأمر الإلهي ، وإنما لأنه أعاد تفسيره ، رأى أن النار أشرف من الطين ، وأن الحكمة التىّ أدركها بعقله أولى من الأمر الذي تلقاه من خالقه ، ومن هنا بدأت المأساة ، فكثيرون يختزلون الحكاية في قول إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، لكن هذه العبارة لم تكن بداية الاستكبار ، بل نتيجته ، فالاستكبار بدأ في اللحظة التىّ جعل فيها إبليس تأويله للحكمة الإلهية فوق الأمر الإلهي نفسه ، فلم يعترض على وجود الله ، وإنما اعترض على فهمه لأمر الله ، معتقدًا أن منطقه أقدر على إدراك الحكمة من النص الذي تلقاه ، ولعل هذه هي الخطيئة الأولى في تاريخ العقل ؛ ليس التفكير ، وإنما الاعتقاد بأن التأويل البشري قادر على منافسة الحقيقة الإلهية ، وبعد قرون طويلة ، سيقول سقراط عبارته الشهيرة : «كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا » ، لم يكن الرجل يحتفي بالجهل ، بل كان يضع حجر الأساس لكل معرفة حقيقية ، فالحكمة تبدأ حين يدرك الإنسان أن ما يجهله أكثر مما يعلمه ، وأن الحقيقة ليست شيئًا يمتلكه ، بل أفقًا يقترب منه دون أن يستنفده ، وإذا كان سقراط قد جسّد تواضع العقل ، فإن الأسطورة اليونانية جسّدت غروره في شخصية إيكاروس ، فقد صنع الشاب جناحين من الشمع ، وطار بهما حتى اقترب من الشمس ، لم يكن سقوطه لأنه حلم بالطيران ، وإنما لأنه ظن أن قوانين الكون لن تسري عليه ، فكان سقوطه نتيجة طبيعية لاعتقاد العقل بأنه يستطيع إلغاء الحدود التىّ قام عليها الوجود ، وليس غريبًا أن تتكرر الفكرة نفسها في الأدب الأوروبي مع فاوست ، الذي لم يبع روحه لأنه أحب الشر ، بل لأنه أراد معرفةً لا حد لها ، لقد ظن أن الإنسان يستطيع أن يمتلك المطلق ، فانتهى إلى فقدان نفسه ، وكأن الثقافات المختلفة ، على تباعدها ، تلتقي عند حقيقة واحدة : أن الإنسان لا يهلك لأنه يسأل ، وإنما لأنه ينسى أن للسؤال حدودًا كما أن للإجابة حدودًا ، ومن هذه الزاوية تبدو تجربة الحلاج أكثر تعقيدًا مما اعتاد الفريقان ، المدافعون عنه والخصوم ، أن يصوروها ، فالحلاج لم يكن خارجًا على أصل الإيمان ، ولم يكن رجلًا يبحث عن شهرة أو صدام ، بل كان عاشقًا لله ، بلغ في تجربته الروحية مبلغًا جعل لغة الرمز عنده تتقدم على لغة العبارة ، ولغة الوجدان تتقدم على لغة البرهان .
ولعل أشهر شطحاته تأويله لقصة إبليس ، فقد رأى أن رفض السجود لم يكن رفضًا لله ، وإنما رفضًا للسجود لغير الله ، وأن إبليس ، في نظره ، أخطأ الأدب مع الله ، لكنه لم يخطئ التوحيد ، وقد تبدو هذه القراءة شديدة الجاذبية لمن ينظر إليها من زاوية الشعر والرمز ، لكنها تصبح إشكالية عندما تُنقل من فضاء الرمز إلى فضاء العقيدة ؟ ، فالقرآن لم يترك سبب اللعنة غامضًا ، ولم يصف إبليس بالعاشق الذي أخطأ الطريق ، بل ربط موقفه بالاستكبار والعصيان ، وهنا يبرز السؤال الحقيقي : هل يملك الإنسان ، مهما بلغت تجربته الروحية ، أن يمنح النص معنى لم يمنحه النص لنفسه؟ ، هذا السؤال لا يخص الحلاج وحده ، بل يخص كل تجربة إنسانية تحاول أن تجعل من الشعور مرجعًا للحقيقة ، فالتجربة الروحية تثري الإيمان ، لكنها لا تنشئ عقيدة جديدة ، كما أن العشق ، مهما سما ، لا يمنح صاحبه حق إعادة تفسير الأمر الإلهي ، ولعل هذا هو الفارق الذي ميّز كبار العارفين عن أصحاب الشطحات ، فالمعرفة الحقيقية لا تزداد إلا كلما ازداد صاحبها إدراكًا بحدودها ، وربما لهذا السبب كان ابن عربي ، على اتساع مشروعه الفلسفي والصوفي ، أكثر حذرًا في التعامل مع المطلق ، فعلى الرغم من جرأة لغته ، ظل يؤكد أن المعرفة بالله ليست محطة يصل إليها الإنسان ، وإنما رحلة لا تنتهي ، وأن كل كشف يفتح أفقًا لكشف آخر ، لم يدّعِ امتلاك الحقيقة ، بل ظل يتعامل معها بوصفها بحرًا لا ساحل له ، وهنا يتجلى الفارق بين السعي إلى الحقيقة ، وبين امتلاكها ، فالأول يورث التواضع ، أما الثاني فيورث الغرور ، مهما حسنت النوايا. ومن هذه الزاوية لا يعود الاستكبار حالة أخلاقية فحسب ، بل يصبح موقفًا معرفيًا أيضًا ، فليس كل مستكبر متعاليًا في سلوكه ، لكن كل من يعتقد أن فهمه بلغ حدًا لا يحتاج معه إلى مراجعة ، قد دخل ، من حيث لا يشعر ، في دائرة الاستكبار ، ولهذا لم يكن القرآن خصمًا للعقل ، كما يحاول بعضهم أن يصور ، وإنما كان خصمًا لغرور العقل ، فالآيات التىّ تدعو إلى التفكر والتدبر والنظر في الكون لا تُحصى ، لكنها تقترن دائمًا بتذكير الإنسان بحدوده : ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ، فالمسألة ليست في مقدار ما نعرف ، وإنما في وعينا بأن ما نجهله أوسع بكثير مما نعلمه .
ولعل هذا المعنى يتجسد بوضوح في قصة فرعون ، فكثيرون يختزلون طغيانه في ادعائه الألوهية ، لكن ذلك كان المرحلة الأخيرة من مشروعه ، لا بدايته ، البداية كانت حين احتكر تفسير الواقع ، وحين قال لقومه : ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾ ، لم يفرض سلطته بالسيف وحده ، بل فرضها عبر احتكار الرؤية نفسها ، وكأن الحقيقة لا تُرى إلا بعينه ، ولا تُفهم إلا بعقله ، وهنا يلتقي الاستبداد السياسي مع الاستبداد المعرفي ، فالحاكم المستبد لا يكتفي بأن يفرض إرادته ، بل يسعى إلى احتكار تفسير التاريخ ، وتعريف الوطنية ، ورسم حدود المقبول والمرفوض ، ومنذ تلك اللحظة لا يعود الخلاف معه اختلافًا في الرأي ، بل يتحول إلى خروج على الحقيقة التىّ يدّعي امتلاكها ، وليس هذا النمط حكرًا على السياسة ، فقد عرفه التاريخ الديني حين احتكرت مؤسسات تفسير النصوص ، وعرفته الفلسفات الكبرى حين ادعت أنها تملك القوانين النهائية لحركة التاريخ ، وعرفته الأيديولوجيات الحديثة التىّ قدمت نفسها بوصفها الطريق الوحيد إلى العدالة أو الحرية ، تتغير الشعارات ، لكن البنية تبقى واحدة ؛ يبدأ الأمر بتأويل ، ثم يتحول التأويل إلى يقين ، ثم يتحول اليقين إلى سلطة ، وأخيرًا تتحول السلطة إلى استبداد ، ومن هنا ، فإن قراءة تجربة الحلاج لا ينبغي أن تكون محاكمة لرجل عاش قبل أكثر من ألف عام، ولا دفاعًا عنه بوصفه شهيدًا للفكر ، وإنما مناسبة للتأمل في السؤال الذي أثاره ، وإن لم يقصد كل نتائجه : أين تنتهي حرية التأويل ، وأين تبدأ حدود النص ؟ ، فإن باب الاجتهاد في الإسلام لم يُفتح لأن الإنسان معصوم ، بل لأنه غير معصوم ، والاجتهاد لا يكتسب قيمته لأنه يصيب دائمًا ، بل لأنه يظل قابلًا للمراجعة ، أما حين يتحول الاجتهاد إلى يقين مغلق ، فإنه يفقد طبيعته ، ويتحول إلى سلطة جديدة ، مهما كانت نوايا أصحابها نبيلة ، ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس اختلاف القراءات ، فذلك أمر طبيعي وصحي ، وإنما الاعتقاد بأن قراءة واحدة تكفي لإلغاء جميع القراءات الأخرى ، فمن يظن أنه يملك التفسير الأخير ، لن يحتاج إلى الحوار ، ومن لا يحتاج إلى الحوار ، لن يتردد في إقصاء مخالفيه، لأنهم ، في نظره ، لا يخالفونه هو ، بل يخالفون الحقيقة نفسها ، وربما لهذا السبب لم يجعل الإسلام العصمة إلا للوحي ، بينما أبقى الإنسان ، عالمًا كان أم فقيهًا أم فيلسوفًا أم متصوفًا ، داخل دائرة الاجتهاد ، فالعصمة إذا انتقلت من النص إلى الأشخاص ، بدأت رحلة الاستبداد ، سواء لبست ثوب الدين ، أم السياسة ، أم الثقافة .
لقد كانت مأساة إبليس أنه وثق بتأويله أكثر مما وثق بالأمر الإلهي ، وكانت مأساة فرعون أنه وثق برؤيته أكثر مما وثق بوعي الناس، وربما كانت مأساة الحلاج ، في بعض شطحاته ، أنه منح الرمز قدرة على تفسير النص أكثر مما يحتمل النص نفسه ، والمقارنة هنا ليست مساواة بين المقامات أو النوايا ، فشتان بين متمرّد على أمر الله ، وطاغية ينازع الناس حريتهم ، ومتصوف يبحث عن وجه الله ويبرر بجهل للآخرين أفعالهم ؛ لكنها مقارنة في آلية التفكير عندما يتجاوز التأويل حدوده ويقترب من ادعاء الإحاطة ، لذلك ، فإن القضية في جوهرها ليست قضية أشخاص ، بل قضية منهج ، فالتاريخ يتغير، والأسماء تتبدل ، لكن الإغراء يبقى واحدًا : أن يصدق الإنسان تأويله أكثر مما يصدق الحقيقة التىّ يسعى إلى فهمها ، وحين يصل العقل إلى هذه المرحلة ، لا يعود في حاجة إلى خصم يهزمه ، لأنه يكون قد بدأ يهزم نفسه بنفسه ، ولعل هذا هو الدرس الذي يتكرر منذ أول أمر إلهي وحتى يومنا هذا ؛ أن الخطيئة الكبرى لا تبدأ بالمعصية ، وإنما تبدأ حين يسبق التأويلُ النصَّ ، ويغدو العقل ، بدل أن يكون وسيلةً لفهم الحقيقة ، حاكمًا عليها .
إن الإنسان لا يقترب من الحقيقة كلما ازدادت أجوبته ، بل كلما ازداد تواضعه أمامها ، وما بين السؤال المشروع ، والاجتهاد المشروع ، والتسليم المشروع ، مساحة دقيقة هي التىّ تحفظ للعقل حريته ، وللنص مرجعيته ، وللإنسان إنسانيته .

فالحقيقة لم تكن يومًا ملكًا لأحد ، ولن تكون-فالاستبداد لا يبدأ عندما يمتلك الإنسان القوة ، بل عندما يعتقد أنه يمتلك التفسير الأخير …والسلام  

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *