أحيانًا يكون التظاهر بأن سفينتك تغرق هو الطريقة الوحيدة ليرحل عنها أولئك الذين أدمنوا على كيف الغباء ، فليس أخطر ما يصيب الإنسان أن يجهل ، فالجهل بداية كل معرفة ، والاعتراف به أول درجات الحكمة ، الأخطر أن يجد في جهله راحةً ، وأن يتحول الوهم إلى ملاذ ، حتى يغدو التفكير عبئًا ، والسؤال مخاطرة ، واليقين السريع فضيلة ، عندها لا يعود الغباء نقصًا في العقل ، بل يصبح حالة من النشوة ؛ نشوةٌ لا تحتاج إلى مخدر ، بل إلى عقلٍ قرر أن يستريح من مسؤوليته ، ليست كل أشكال العراء سواء ، فهناك عراءٌ يفرضه الفقر أو الهزيمة أو قسوة الحياة، وهناك عراءٌ آخر لا يُرى بالعين ، بل يكشفه العقل عندما يقف وحيدًا أمام الحقيقة ، في هذا العراء تسقط الشعارات ، وتتلاشى الأيديولوجيات ، وتفقد الجموع قدرتها على منح اليقين ، فلا يبقى أمام الإنسان سوى سؤال واحد: هل أريد الحقيقة مهما كانت مؤلمة ، أم أريد راحة الوهم مهما كانت كلفته ؟ ، فمنذ فجر التاريخ ، لم تكن معركة الإنسان الكبرى مع الجهل ، بل مع إغراء الاستسلام له ، فالجهل لا يهزم الأمم وحده ، وإنما يهزمها عندما يتحول إلى ثقافة ، ثم إلى عادة ، ثم إلى فضيلة اجتماعية ، وما إن يحدث ذلك ، حتى يصبح العقل الناقد غريبًا ، ويُنظر إلى المفكر بوصفه مصدر قلق ، لا مصدر إلهام ، ويغدو السؤال فعلًا مريبًا ، لأنه يهدد السكينة التىّ صنعتها الأجوبة الجاهزة .
ولهذا فإنني أفرق بين الجهل و«كيف الغباء» ، فالجهل نقصٌ يمكن تجاوزه ، أما «كيف الغباء» فهو حالة يأنس فيها الإنسان إلى جهله ، ويستمتع بإعادة إنتاجه ، ويدافع عنه كما يدافع عن هويته ، إنه ليس عجزًا عن المعرفة ، بل عزوفٌ عنها ؛ وليس قصورًا في العقل ، بل استقالةٌ طوعية منه ، ومن هنا تبدأ المأساة ، لأن الإنسان الذي يتوقف عن التفكير لا يحتاج إلى من يقيده ، إذ يصبح هو السجان والسجين في آنٍ واحد ، الغباء لا ينتصر بقوته ، بل براحة الناس معه ، فالحقيقة مرهقة ؛ لأنها تطالب الإنسان بأن يراجع نفسه ، وأن يعترف بخطئه ، وأن يغيّر قناعاته إذا تبدلت الأدلة ، أما الوهم ، فهو أكثر كرمًا ؛ يمنح الجميع شعورًا بالتفوق دون أن يطالبهم بأي ثمن ، ولهذا ، كلما انخفضت كلفة الكذبة ، ارتفع ثمن الحقيقة ، ولعل الأدب كان أصدق من السياسة في تشريح هذه الظاهرة ، ففي رواية الأبله لم يكن الأمير ليف ميشكين غبيًا ، بل كان نقيًا إلى الحد الذي جعل المجتمع يعجز عن فهمه ، لقد انقلبت المعايير حتى بدا الصدق سذاجة ، والرحمة ضعفًا ، والانتهازية ذكاءً ، ولم يكن فيودور دوستويفسكي يكتب عن فرد ، بل عن مجتمع يفقد بوصلته الأخلاقية ، فيصبح الخلل في ميزان القيم لا في عقول الناس وحدها .
وفي الاتجاه نفسه ، صوّر جورج أورويل في رواية 1984 مجتمعًا لا يُمنع فيه الناس من الحقيقة فقط ، بل يُدرَّبون على الاستغناء عنها ، فحين يعتاد الإنسان تكرار الكذبة ، لا يعود بحاجة إلى من يفرضها عليه ، وهنا يبلغ الاستبداد ذروته؛ لا عندما يسيطر على الجسد ، بل عندما ينجح في احتلال العقل ، غير أن الاستبداد ، في حقيقته ، لا يصنع الغباء من العدم ، بل يستثمر فيه ، وكما يكتشف التاجر حاجة السوق ثم يبني عليها تجارته ، تكتشف السلطة قابلية بعض المجتمعات للركون إلى اليقين السهل ، فتغذيها ، لأنها تعلم أن المواطن الذي يسأل أصعب كثيرًا من المواطن الذي يصفق ، لذلك ، لا تخشى السلطة المثقف لأنه يملك الإجابات ، بل لأنه يغيّر طبيعة الأسئلة ، وفي المقابل ، يقدّم التراث الإسلامي درسًا بالغ العمق في التواضع المعرفي ، فعندما قال الإمام مالك بن أنس: «الاستواء معلوم ، والكيف مجهول»، لم يكن يغلق باب العقل ، وإنما كان يضع له حدوده الأخلاقية ، فالعقل يفسد حين يتوهم الإحاطة بكل شيء ، كما يفسد حين يتنازل عن التفكير كليةً ، وبين الغرور والاستقالة ، تضيع الحكمة .
وليس بعيدًا عن هذا المعنى ما نُسب إلى سقراط من أن الحكمة تبدأ حين يدرك الإنسان حدود معرفته ، فالعاقل لا يخجل من عبارة «لا أعلم»، لأنها بداية البحث ، بينما يخشاها الغبي لأنها تهدم صورة الكمال التىّ صنعها لنفسه ، ولذلك ، فإن انحدار الأمم لا يبدأ بانهيار اقتصادها ، ولا بخسارة حرب ، ولا حتى بسقوط نظام سياسي ، يبدأ يوم يفقد السؤال قيمته ، ويصبح التفكير ترفًا ، ويغدو الشك جريمة ، بينما تتحول الطاعة إلى أعلى مراتب الفضيلة ، في تلك اللحظة ، لا تعود المدارس مصانع للمعرفة ، بل مصانع للتكرار ، ولا يعود الإعلام بحثًا عن الحقيقة ، بل إدارةً للرأي ، ولا تعود السياسة فنًا لإدارة الاختلاف ، بل وسيلة لإلغاء العقل ، لقد أثبت التاريخ أن الطغاة لم ينتصروا لأنهم كانوا أذكى من شعوبهم ، بل لأنهم وجدوا مجتمعات أنهكتها الراحة الفكرية ، فاستبدلت مسؤولية التفكير بلذة التصديق ، واختارت الأمان الذي تمنحه الأكذوبة على القلق الذي تفرضه الحقيقة ، فالطغيان لا يبدأ في القصور ، بل يبدأ في اللحظة التىّ يتخلى فيها الإنسان عن حقه في السؤال .
وربما لهذا لا تكون الحرية حدثًا سياسيًا بقدر ما تكون حدثًا عقليًا ، فالثورات قد تغيّر الحكومات ، لكنها لا تغيّر المجتمعات إذا بقي العقل أسيرًا لليقين المستعار ، الحرية تبدأ عندما يدرك الإنسان أن الحقيقة ليست ملكًا لأحد ، وأن المعرفة ليست مجموعة أجوبة محفوظة ، بل رحلة لا تنتهي من الأسئلة ، ولعل العراء الذي يخشاه الناس ليس عراء الجسد ، بل عراء الفكر ، ففي تلك اللحظة التىّ يقف فيها الإنسان مجردًا من أوهامه ، ومن يقيناته الموروثة ، ومن الأصنام التىّ صنعها بيديه ، يكتشف أن أعظم انتصار ليس أن يهزم خصمه ، بل أن يهزم خوفه من التفكير .
فالأمم لا تموت عندما يهزمها عدوها ، وإنما عندما تقنع نفسها بأن العقل لم يعد ضرورة ، وأن الحقيقة يمكن تأجيلها ، وأن الوهم أقل كلفة من المعرفة ، عندها يصبح كيّف الغباء أسلوبًا في الحياة ، وتتحول الهزيمة إلى عادةً ، ويصبح التاريخ مجرد آلة لإعادة إنتاج الأخطاء .
أما الأمل ، فلا يولد من كثرة المتفائلين ، بل من وجود أولئك الذين يملكون شجاعة أن يقولوا ، في وجه الضجيج كله : ربما نحتاج أن نفكر من جديد … والسلام 
