لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت سورية ستستعيد دورها الإقليمي، بل كيف سيُعاد تعريف هذا الدور في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط. فمع إطاحة الأسد، وبدء إعادة بناء الدولة السورية، تبدلت معادلات كثيرة حكمت المنطقة لعقود، وأصبح الحديث عن دمشق يدور في سياق مختلف تماماً عن مرحلة النفوذ الإيراني أو سنوات الحرب الطويلة.
وفي المقابل، يقف لبنان أمام لحظة ربما تكون الأكثر حساسية منذ انتهاء الحرب الأهلية. فالأزمة اللبنانية لم تعد تُختزل في الانهيار الاقتصادي أو الانقسام السياسي، بل أصبحت تتعلق بمستقبل الدولة نفسها، وبقدرتها على احتكار السلاح وفرض سيادتها على كامل أراضيها.
لكن المتغير الأهم لا يتعلق بسورية وحدها، بل بلبنان أيضاً. فالتوازنات السياسية والعسكرية التي كرّست وجود سلاح حزب الله لعقود، وحالت دون طرح مسألة حصر السلاح بيد الدولة بوصفها خياراً قابلاً للتنفيذ، شهدت خلال الفترة الأخيرة تحولات جوهرية. فقد أدت المتغيرات الإقليمية، وما رافقها من تراجع في نفوذ إيران وإضعاف جزء من قدرات حلفائها، إلى إعادة فتح هذا الملف في النقاش اللبناني والدولي، ليس باعتباره قضية خلافية بين القوى السياسية اللبنانية فحسب، بل بوصفه جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة بناء الدولة اللبنانية، وترسيخ سيادتها، ومنع تكرار الأزمات والحروب التي أنهكت البلاد طوال العقود الماضية.
غير أن التحول الأكبر جاء مع دخول حزب الله في المواجهة العسكرية إلى جانب إيران عقب اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وإعلانه استهداف إسرائيل بالصواريخ دعماً لطهران. وقد أدى ذلك إلى انتقال المواجهة من نطاقها السابق إلى حرب مفتوحة، استغلتها إسرائيل لتوسيع عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، والتقدم في أجزاء من الجنوب، وشن هجمات واسعة طاولت بيروت ومناطق أخرى. وأسفرت الحرب عن دمار واسع، ونزوح أكثر من مليون لبناني، وخسائر اقتصادية وإنسانية كبيرة، لتتحول قضية سلاح حزب الله من ملف داخلي شديد الحساسية إلى قضية ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة اللبنانية وأمنها واستقرارها، وهو ما انعكس لاحقاً في الاتفاق الإطاري الذي ربط استكمال الانسحاب الإسرائيلي بانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.
ومن هنا، عاد ملف سلاح حزب الله إلى صدارة النقاش اللبناني والإقليمي والدولي. فبعد أن كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره جزءاً من معادلة الردع مع إسرائيل، أو واقعاً سياسياً وأمنياً يصعب تغييره، بات يُطرح اليوم في إطار أوسع يرتبط بإعادة بناء الدولة اللبنانية، واستعادة قرارها السيادي، وتهيئة البيئة اللازمة للاستقرار السياسي والاقتصادي، بما في ذلك جذب الاستثمارات وإطلاق عملية التعافي الوطني.
وبذلك، لم يعد النقاش يقتصر على مستقبل سلاح حزب الله، بل امتد إلى طبيعة منظومة الأمن اللبنانية، والدور الذي يمكن أن تضطلع به الدولة ومؤسساتها، ومن قد يساندها إذا عجزت عن تنفيذ هذا التحول بمفردها.
وإذا كان هذا هو الاتجاه الذي تتبناه شريحة متزايدة من القوى اللبنانية، وتحظى بدعمه عواصم عربية ودولية، فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية: ماذا لو قررت الدولة اللبنانية السير في هذا المسار، ثم واجهت مقاومة مسلحة تعجز عن احتوائها وحدها؟ وهل يمكن أن يتحول الأمر إلى أزمة أمنية أو حتى إلى مواجهة داخلية تهدد كيان الدولة؟
عند هذه النقطة تحديداً، يبرز سؤال جديد لم يكن مطروحاً قبل سنوات: هل يمكن أن تصبح سورية جزءاً من الحل، بعد أن كانت، في نظر كثير من اللبنانيين، جزءاً من المشكلة؟
لم تعد الأزمة اللبنانية تُختزل في الانهيار الاقتصادي أو الانقسام السياسي، بل أصبحت تتعلق بمستقبل الدولة نفسها، وبقدرتها على احتكار السلاح وفرض سيادتها
