ملاحظات حول اعلانات حقوق الانسان , جزء ١ ….
ما بيطار , سيريانو :
وجدت حركات عالمية أنه من الضروري أن يكون للبشرية نوعا من المرجعية , يمكن العودة اليها في الحالات الخصامية , اذ هناك العديد من التباينات بين الدول والشعوب , التي قادت في العديد من الحالات الى اضطرابات وحروب وخراب وموت , لذلك كان الاعلان العالمي لحقوق الانسان , الذي تأسس جوهريا على ادراك وجود الاختلافات بين البشر , قد تقود هذه الاختلافات بين طبيعة بشر وبين طبيعة بشر اخرى الى التأزم والى انتاج مشكلة, لذلك وجدت مرجعية للاحتكام والعودة اليها في هذه الحالات, أي أن جوهر الغاية كان تنظيمي , أي تنظيم ادارة التعددية بين البشر .
هناك اعلان آخر لحقوق الانسان هو الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان , الذي يختلف عن الاعلان العالمي من حيث الجوهر, فجوهر الاعلان العالمي الاعتراف بوجود الاختلاف وضرورة الحفاظ على التعددية بين البشر , فان جوهر الاعلان المحمدي آخر , انه جوهر تحقيري شرحه العديد من الفقهاء ومنهم اكثرهم تنويرا وادراكا وفهما هو الغنوشي , الذي اعتبر الانسان كائن ناقص بطبيعته ويتواجد في حالة مستمرة من التأرجح بين الخير والشر , وبذلك يعتبر عاجزا وقاصرا عن انتاج اي شيئ مفيد , مثل المقدرة على التحكم في نفسه وادارتها , وينتظر من هذا المخلوق الكثير من العنف الجهادي الممثل بحد ذاته لاشكالية تتطلب الحل , أي ان الصدامات بين البشر حتمية ابدية , هذا الانسان الناقص العدائي لايعرف التصالح مع نفسه ومع الغير , لأن المحمدية لاتجد اي امكانية للتصالح مع الغير سوى في اطار الغلبة , لكونها تعتمد على نصرة القاهر الأكبر السماوي , باختصار يعتبر الانسان محمديا مذنبا بطبيعته ويتواجد بشكل مستمر في حالة من الدونية المستمرة , هنا نعجب من قول الخالق بأنه خلق الانسان المحمدي على أفضل صورة, واعتبره من خيرة البشر اي خير أمة , ثم استخلفه على الأرض, وهل من المعقول ان يستخلف القادر على كل شيئ مخلوقات من هذا النوع الناقص على الأرض , لقد قدم الخالق في هذا الخصوص مفارقات غريبة عجيبة ,نظرا للكمال اذي يلصق بالخالق لايمكننا اعتبار تلك المفارقات الهية المصدر , أي أنها حقيقة من صنع انسان جاهل ونسبت زورا للخالق .
باختصار تمركز الاختلاف بين الاعلان العالمي لحقوق الانسان من عام ١٩٤٨ وبين الاعلان الاسلامي في الجوهر , العالمي اعتبر الانسان خيرا في طبيعته وقادرا على حل مشاكله بحيث تمكن من الحياة والبقاء في الوجود لملاين السنين , بينما اعتبره الاعلان المحمدي شريرا وعاجزا في طبيعته , اي ان الفرق يكمن في النظرة لطبيعة الانسان , هناك نظرة تنظيمية, أي أن الانسان قادر تنظيميا على تجاوز العقبات , وهناك نظرة احتقارية دينية , لم يكن للاختلاف في الجوهر بين اعلانات حقوق الانسان تأثيرات كبيرة على الوضع في العالم , لأن الاعلان الخاص بالأمم المتحدة كان عالميا بينما الاعلان المحمدي كان محليا وغير معترف به من قبل القضاء الدولي والهيآت الدولية الأخرى , والكيانات المسماة دولا والتي اعترفت بالمحمدي اعترفت قبل ذلك بالعالمي , اي أن الاعتراف بالمحمدي كان شكليا , ثم أن الكيانات التي اعترفت بالمحمدي لم تكن من الدول المهمة المؤثرة في العالم , لقد كانت في الغالب كيانات ديكتاتورية مارقة وفسادة , لم تحقق شروط الدولة التي وضعها وزير الخارجية البريطانية “سترو” قبل عدة سنين , والتي تبنتها الأمم المتحدة وأضافت عليها شرطين آخرين .
تختلف مواد الاعلان المحمدي عن العالمي بشدة , فالمادة الثانية من الاعلان المحمدي تقول ان الانسان ولد حرا ولا عبودية سوى لله, او من ينوب عنه على الأرض , ونواب الله على الأرض هم من البشر , اي ان العبد والمستعبد بشريون , لا تجوز منطقيا مقولة كون الله هو المستعبد عندما يولد الانسان حرا ولكن عليه ان يعبد الله أو من ينوب عن الله من البشر !!!!! ,فالانسان لايولد حرا ولا يولد عبدا انما يولد كصفحة بيضاء, التربية والتنشئة تصنع منه حرا او عبدا , ولادة الانسان حرا او عبدا مكبلا بالأغلال كانت موضوع نقاشات طويلة منذ أفلاطون , النتيجة كانت الاستقرار على الصفحة البيضاء .
لامنطق في اعتبار الانسان يولد حرا ولكنه عبدا ايضا , ولا فرق هنا بين العبودية للغيب او العبودية لأي مستعبد آخر , العبودية لله ليست سوى تلفيقة , فالعبودية حقيقة ليست لله انما لرجال الله من الفقهاء , أما المادة الخامسة من الاعلان المحمدي فترفض كل شيئ خارج الشريعة , اي طغيان الشريعة واختفاء الانسان فلا حرية للرأي ولا معارضة , حرية الرأي هي حرية رأي” الشريعة ” بمصادرها الأساسية المعتمدة , وهي المرجع الوحيد لتفسير وتوضيح أي مادة من مواد هذه الوثيقة, عند الاختلاف يجب سؤال أهل العلم من الفقهاء .
رأى الغنوشي ,كما يمكن أن يستشف من أي وهابي , أن الاعلان العالمي لحقوق الانسان يحمل في طياته “ملامج” علمانية , او ملامح الدبن البشري القائم على أولوية الانسان في الوجود وعلى قيامه بنفسه بصنع اي تشريع يلائمه, كون الاعلان العالمي يحمل في طياته العلمانية والانسانية ليس تهمة , التهمة كانت في حرص التصور الديني على ربط كل القيم بشرع الله , الذي يعتبرونه الخالق والمالك لمخلوقاته , هنا يصطدم الاعلان المحمدي مع الانسان الذي حوله الدين اى ذيل مذنب ,حقيقة الانسان هو المالك لجسده , ولا حاجة له بأي تشريع من خارج عقله وارادته , والاقتداء بالأنبياء والملائكة لم تكن له سوى النتائج الكارثية , لاوجود لقانون او تشريع ليس من صنع العقل البشري , تحويل الانسان الى مخلوق ديني ناقص العقل يعني انه بحاجة الى وصاية , والوصي هو الله او من ينوب عنه من رجال الدين , تأملوا عافاكم الله ماذا صنعت هذه الوصاية بأمة محمد !!!يتبع
Post Views: 4