الغفلةوتآكل القيمة الإنسانية -قراءة في أزمة الإنسان!!

 

مروان صباح :

كاريكاتير.. الوعى طوق نجاة من فيروس كورونا - اليوم السابع    في رواية “الرجل بلا خصال” لروبرت موزيل يبدو الإنسان وكأنه يتحرك وسط عالم مكتمل التفاصيل لكنه يفتقر إلى المعنى ، فالأحداث تتوالى ، والعلاقات تتكاثر ، والحياة تستمر بإيقاعها المعتاد ، إلا أن شيئًا جوهريًا يظل غائبًا : الوعي بما يمنح الوجود قيمته الحقيقية ، ومن هذه المسافة بين الحياة ومعناها تولد الغفلة ؛ ذلك المرض الهادئ الذي لا يلفت الانتباه بقدر ما يعيد تشكيل الإنسان من الداخل ، ليست الغفلة مجرد حالة من الشرود أو نقص في الانتباه ، بل هي نمط من الوجود يفقد فيه الإنسان علاقته بقيمته الذاتية ، فعندما يتراجع إدراك المرء لمعنى وجوده ، يصبح أكثر قابلية للعيش داخل دائرة من التكرار اليومي الخالي من الغاية ، عندها لا يعود الزمن تجربة للنمو والتطور ، بل يتحول إلى عبور بطيء بين أيام متشابهة لا تترك أثرًا حقيقيًا في النفس أو الفكر ، ومن هنا تنشأ العلاقة الوثيقة بين الغفلة والاضطراب الداخلي ، فالمشكلة لا تبدأ من العوامل النفسية وحدها ، بل من ذلك الفراغ الذي يتسلل إلى أعماق الإنسان عندما يفقد القدرة على رؤية القيمة في ذاته وفي العالم من حوله ، فالإنسان لا ينهار عادة بسبب قلة الموارد أو صعوبة الظروف فحسب ، بل بسبب شعوره بأن ما يعيشه يفتقر إلى المعزى ، وحين يغيب المعنى ، تتراجع المناعة الداخلية التىّ تمكنه من مواجهة الأزمات والضغوط .

ولأن المعرفة تمثل أحد أهم مصادر القيمة الإنسانية ، فإن الغفلة تصبح عائقًا أمام بناء شخصية متماسكة وقادرة على الفهم والنقد والتطور ، فالإنسان الذي لا يسعى إلى توسيع مداركه يظل أسيرًا لحدود ضيقة من الإدراك ، الأمر الذي يجعله أكثر عرضة للتأثر بالأفكار السطحية والانشغال بالقضايا الهامشية ، ومع مرور الوقت يتحول هذا القصور المعرفي إلى نمط حياة ، فتتراجع القدرة على التمييز بين ما هو جوهري وما هو عابر ، ولا تقتصر آثار الغفلة على الفرد وحده ، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله ، فحين تصبح السطحية سلوكًا عامًا ، وتغدو المظاهر بديلاً عن الإنجاز الحقيقي ، يفقد المجتمع تدريجيًا قدرته على الإنتاج ، عندها تكثر الأصوات وتقل الأفكار ، وتزداد الحركة بينما يتراجع التقدم الفعلي ، ويصبح الإنسان محاطًا بأعداد كبيرة من الناس ، لكنه يعجز عن العثور على نماذج تلهمه أو تدفعه نحو آفاق أوسع من الفهم والإبداع ، ولعل أخطر ما في الغفلة أنها قادرة على التكيف مع الحياة اليومية حتى تبدو وكأنها أمر طبيعي ، فالاعتياد على الفراغ يجعل الإنسان أقل إحساسًا بوطأته ، وأكثر استعدادًا للتعايش معه ، ولهذا قد يكتشف المرء ، بعد سنوات طويلة ، أنه استهلك جزءًا كبيرًا من عمره في تكرار لا يضيف إلى شخصيته معرفة جديدة ولا يترك في روحه أثرًا عميقًا .
لهذا السبب ارتبطت السعادة في الفكر الإنساني ، منذ أقدم العصور ، بالمعرفة والحكمة أكثر من ارتباطها بالمتعة العابرة أو النجاح الظاهري ، فالسعادة ليست نتيجة امتلاك الأشياء بقدر ما هي ثمرة فهم الذات والعالم ، وكلما اتسعت مساحة الوعي لدى الإنسان ، ازدادت قدرته على مقاومة الفراغ الذي تنتجه الغفلة ، وحين يصبح الاستيقاظ كل صباح عبئًا بسبب الاضطرار إلى العودة إلى محيط يطغى عليه الفراغ الفكري والسطحية ، تتحول الحياة إلى اختبار قاسٍ قد يقود الإنسان إلى العزلة أو الإرهاق النفسي أو الاكتئاب ، فكلما ازداد وعي المرء واتسعت رؤيته ، أدرك أن كثيرًا من الناس قد يبدون سعداء رغم افتقار حياتهم إلى المعنى الحقيقي ، فيجد نفسه وكأنه يعيش في حالة استنفار دائم ، وربما يكون من أصعب ما يواجهه الإنسان أن يعتاد على مخالطة أشخاص جعلوا من الفراغ أسلوب حياة ، حتى وإن كانت أيامهم مكتظة بالأعمال والأنشطة التىّ تفتقر إلى القيمة والغاية ، وفي عالم كهذا ، يبدو أن السطحية كثيرًا ما تحظى بالانتصار ، ليس اليوم فحسب ، بل في كل يوم يُهمَّش فيه الفكر والجوهر .

إن أزمة الإنسان المعاصر لا تكمن في نقص المعلومات ، بل في تراجع القدرة على تحويل المعرفة إلى وعي ، والوعي إلى قيمة ، والقيمة إلى أسلوب حياة ، ومن هنا فإن مواجهة الغفلة لا تبدأ بتغيير الظروف الخارجية فحسب ، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومعنى وجوده ، فالمجتمعات التىّ تكرم المعرفة وتحترم العقل هي وحدها القادرة على حماية أفرادها من السقوط في فراغ يبدو هادئًا في ظاهره ، لكنه يستهلك من الداخل أهم ما يملكه الإنسان : قيمته الإنسانية…والسلام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *