مروان صباح:
“حُرًّا من عبادةِ أمس ، حُرًّا من كناياتي ومن لغتي ، فأشهد أنني حيٌّ وحُرٌّ حين أُنسى .”لم تكن هذه الكلمات التىّ خطّها محمود درويش مجرد تعبير شعري عن رغبة في الانعتاق ، بل كانت إعلانًا وجوديًا عن أعقد أشكال الحرية : التحرر من السجن الذي يبنيه الإنسان داخل نفسه ، فالتاريخ يعلمنا أن العروش تسقط ، والإمبراطوريات تتلاشى ، والأنظمة تتبدل ، لكن العبودية لا تموت بالضرورة بسقوط سادتها ؛ لأنها كثيرًا ما تجد مأواها الأخير في وعي العبيد أنفسهم ، ولعل هذا ما دفعني دائمًا إلى الاعتقاد بأن الإشارة إلى الخطأ لا ينبغي أن تكون وسيلةً للتشهير أو التحقير ، بل محاولةً لفهم العطب الكامن في النفس البشرية ، فما كنت يومًا متربصًا بأحد ، ولا كانت غايتي اصطياد العثرات أو ملاحقة الزلات ، بقدر ما كنت منحازًا إلى فكرة التصحيح ذاتها أو الأنظمة ، فإصلاح النفس يظل أكثر نبلًا من إدانة الآخرين ، وأكثر جدوى من الانشغال بأخطائهم ، ومنذ أن خطّ قلمي أولى كلماته ، أدركت أنني بعيد عن صناعة الثورات أو ادعاء قيادتها ، رغم أنني ساهمت ، بصورة أو بأخرى ، في إسقاط رؤساء عن عروشهم ، لكنني أعترف في الوقت نفسه بأنني فشلت في تغيير الشعوب ، بل وحتى في تغيير من هم حولي ، فإسقاط العروش ، مهما بدا حدثًا عظيمًا ، يظل أيسر بكثير من اقتلاع العبودية من نفوس الناس ، فالحاكم المستبد قد يسقط في يوم ، أما الإنسان الذي اعتاد الخضوع فلا يتحرر بسهولة ، لأن القيود التىّ تسكن داخله أكثر رسوخًا من القيود التىّ تفرضها السلطة عليه .
هنا تحديدًا يبرز السؤال الذي لا يزال يتردد صداه منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى يومنا هذا: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”،غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا في عصرنا ربما أصبح: متى استعبد الناس أنفسهم بعد أن وُلدوا أحرارًا؟ ، إنها معضلة قديمة بقدر قدم الإنسان نفسه ، فكيف يولد المرء حرًا ثم يتحول ، طوعًا أو كرهًا ، إلى عبدٍ لأشياء صنعها بيديه؟ كيف يصبح أسيرًا للخوف أو للمصلحة أو للعادة أو للرأي العام؟ وكيف يقبل أن يتنازل عن حقه في التفكير مقابل شعور مؤقت بالأمان؟ ، ولعل الإجابة تبدأ من تلك المسافة الغامضة بين الوعي والضمير ، فالوعي وحده لا يصنع الحرية ، كما أن المعرفة وحدها لا تكفي للتحرر ، إذ يستطيع الإنسان أن يعرف الحقيقة كاملة ، وأن يدرك مواضع الخلل بوضوح ، ثم يرفض الانحياز إليها عندما تصبح مكلفة ، وهنا يصبح الضمير هو الحلقة المفقودة بين المعرفة والحرية .
فالإنسان الواعي بلا ضمير قد يتحول إلى خبير في تبرير استعباده لنفسه ، يعرف الحقيقة لكنه يلتف حولها ، ويدرك الواقع لكنه يرفض مواجهته ، ومع مرور الوقت يبني لنفسه سردية كاملة من الأعذار الاجتماعية والعائلية والاقتصادية التىّ تمنحه شعورًا زائفًا بالبراءة ، ولعل الوظيفة الحكومية في كثير من الدول العربية تمثل نموذجًا مصغرًا لهذه الإشكالية ، فكثيرون يمضون أعمارهم في مواقع يكرهونها كالوظيفة الحكومية ، ويعلنون سخطهم عليها صباح مساء ، لكنهم في الوقت نفسه يرفضون مغادرتها أو البحث الجاد عن بدائل لها ، وهم يبررون ذلك بالحاجات المعيشية والالتزامات الأسرية والخوف من المجهول ، وقد تكون هذه المبررات مفهومة في جانب منها، لكنها لا تلغي حقيقة أساسية: أن صاحبها يعرف ، في أعماقه ، أنه اختار البقاء حيث هو ، إنه لا يُساق دائمًا بالقوة ، بل يشارك في صناعة القيد الذي يقيده .
ومن هنا تبرز أهمية الفكرة التىّ يناقشها كتاب “جحيم النوايا الحسنة” ، فالمشكلة ليست في النوايا الحسنة ذاتها ، بل في تحولها إلى ملاذ أخلاقي يمنع الإنسان من مساءلة نفسه ، إذ يستطيع المرء أن يرتكب أخطاء جسيمة وهو مقتنع بأنه يفعل الخير ، وأن يبرر صمته أو استسلامه أو تبعيته باعتبارات أخلاقية تبدو نبيلة في ظاهرها ، لكن النوايا ، مهما حسنت ، لا تغير النتائج ، ولا تعفي صاحبها من مسؤوليته تجاه الحقيقة ، ولهذا فإن أخطر أشكال العبودية ليست تلك التىّ تُفرض على الإنسان من الخارج ، بل تلك التىّ يقبلها باسم الحكمة أو الواقعية أو الاستقرار أو حتى الأخلاق ، فكلما كثرت المبررات ، تراجعت الحاجة إلى الحرية ، ومع الزمن يتحول الخوف إلى فضيلة ، والتردد إلى حكمة ، والاستسلام إلى سلوك طبيعي لا يثير التساؤل ، فإن غالبية الناس يخوضون اشتباكات نفسية حقيقية في طريقهم نحو الحرية ، لكنهم يسقطون في منتصف الطريق ، وليس السبب أنهم يفتقرون إلى المعرفة أو الوعي ، بل لأن للحرية ثمنًا لا يرغبون في دفعه ، فهم يفضلون دفع أقساط العبودية المريحة على تحمل كلفة الحرية الكاملة ، فالحرية ليست شعارًا ، بل مسؤولية ، وليست أمنية ، بل تضحية .
ولهذا لم يكن محمود درويش يبحث عن حرية سياسية بالمعنى الضيق عندما أعلن أنه: «حُرٌّ من عبادة أمس»، بل كان يدرك أن التحرر الحقيقي يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن عبادة ماضيه ، وعن الاحتماء بمبرراته ، وعن الارتهان للصورة التىّ رسمها لنفسه ، فالحرية ليست فقط أن تتحرر من سيدٍ خارجي ، بل أن تتحرر من السيد الذي يسكن داخله ، وتتجسد هذه الفكرة بصريًا في لوحة «Liberté guidant le peuple» لوحة الفرنسي ليوجين ديلاكروا ، حيث لا تبدو المرأة التىّ ترفع الراية مجرد قائدة لثورة سياسية ، بل رمزًا للإنسان الذي يشق طريقه خارج الخوف والجمود ، فهي لا تقود الجموع إلى إسقاط سلطة فحسب ، وإنما إلى استعادة إرادتهم في صناعة مصيرهم ، وهكذا تلتقي رؤية درويش مع رمزية اللوحة ؛ فالحرية ليست حدثًا ينتهي بانتصار ثورة ، بل حالة وعي تبدأ عندما يتحرر الإنسان من قيود الماضي ، ومن القيود التىّ صنعها هو لنفسه ، ليصبح قادرًا على السير نحو المستقبل بإرادةٍ حرة .
ومن هنا تبدأ معركة الإنسان الحقيقية ، لا في الشوارع ولا في البرلمانات ولا على أبواب القصور ، بل في مواجهة ذاته ، فعندما يتوقف عن اختراع الأعذار ، ويتخلى عن وهم النوايا المريحة ، ويقبل تحمل مسؤولية اختياراته ، يكون قد خطا أول خطوة نحو الحرية .
فالإنسان لا يصبح حرًا عندما يعرف الحقيقة ، بل عندما يمتلك الشجاعة الكافية ليعيش وفقها …والسلام 
