الأمن القومي المصري وتحولات الصراع الإقليمي:بين تحديات الحدود وحسابات القوة …

مروان صباح :
الأمن القومي العربي كاريكاتير علي خليل Www.tomatocartoon.com #توميتو_كرتون # كاريكاتير #الوطن_العربي #العرب      أي عمل عسكري تقوم به مؤسسة عسكرية عريقة يُفترض أن يستند إلى منهجية واضحة ورؤية استراتيجية متكاملة ، فكيف إذا كانت المواجهة تتجاوز البعد الأمني المباشر لتلامس جوهر الأمن القومي للدولة؟ إن مثل هذه التحديات لا تُواجه بالمعالجات التقليدية وحدها ، بل تتطلب تحركات سريعة وعميقة تستهدف معالجة جذور الأزمة، وصولًا إلى الجهات المحركة لها، وليس الاكتفاء بالتعامل مع مظاهرها الظاهرة على السطح ، وفي هذا السياق ، يبرز تساؤل مشروع لدى المراقبين حول الكيفية التىّ تمكنت بها مجموعات مسلحة وشبكات تهريب منظمة من العمل لسنوات داخل نطاق جغرافي شديد الحساسية ، في دولة بحجم مصر وإمكاناتها العسكرية والأمنية والاستخباراتية ، فالمسألة لا تتعلق بمجرد عمليات تهريب محدودة ، بل بشبكات منظمة ذات طابع عسكري ، متهمة بنقل الذهب والأسلحة والمواد اللوجستية عبر الحدود باتجاه السودان ، وتحديدًا نحو قوات الدعم السريع ، وتزداد خطورة هذه القضية إذا ما صحت التقارير التىّ تتحدث عن ارتباطات إقليمية معقدة لتلك الشبكات ، بما يجعلها تتجاوز الطابع الجنائي التقليدي لتتحول إلى تحدٍ مباشر للأمن القومي المصري ، كما أن الحديث عن أنشطة تنقيب غير قانونية عن الذهب في مناطق حساسة، مثل حلايب وشلاتين داخل الأراضي المصرية ، يطرح أسئلة جدية حول طبيعة الاختراقات التىّ شهدتها تلك المناطق ومدى انعكاسها على مفهوم السيادة الوطنية.
وتشير بعض المعطيات إلى أن هذه الشبكات لم تقتصر على عمليات التهريب ، بل أنشأت بنى لوجستية ومواقع عمل استخدمت فيها معدات ثقيلة ، ما يعكس درجة من التنظيم والتخطيط تتجاوز النشاط المجوعات أو المحدود ، وقد تعاملت القوات المسلحة المصرية والأجهزة الأمنية مع هذه التحديات من خلال عمليات ميدانية استهدفت تفكيك البنية التنظيمية لتلك المجموعات ، ومصادرة المعدات المستخدمة ، واعتقال العناصر المتورطة ، وإذا صحت المعلومات الاستخباراتية بشأن توظيف عائدات الذهب في شراء أسلحة متطورة وإعادة بناء القدرات العسكرية لميلشيا الدعم السريع في السودان ، فإن ذلك يؤكد أن القضية تتجاوز البعد الاقتصادي لتصبح جزءًا من معادلة أمنية وإقليمية أكثر تعقيدًا يراد منها حرب استنزاف طويلة ، ومن هذا المنطلق ، تبدو القاهرة معنية بدعم مسار استعادة الاستقرار في السودان وبناء مؤسسات دولة قادرة على فرض سيطرتها على كامل أراضيها ، بما ينعكس إيجابًا على أمن المنطقة بأسرها ، ويؤكد أن الأمن القومي المصري ليس مجالًا للمساومة أو الاستنزاف .
في المقابل ، يواصل عدد من الساسة الإسرائيليين طرح تساؤلات حول أسباب تردد الولايات المتحدة في الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة مع إيران ، وتعود هذه التساؤلات إلى إدراك متزايد لحجم الكلفة الاقتصادية والعسكرية التي قد تترتب على أي صراع مفتوح في المنطقة ، في المقابل ، فبحسب هذا الطرح ، فإن الروس والصينيين، من خلال وقوفهم وراء إيران ، جعلوا خسائر واشنطن تتجاوز 132 مليار دولار. ولم تقتصر الاشتباكات على ضربات البنتاغون للمواقع الإيرانية ، بل جاءت التكلفة أيضاً نتيجة تدمير القواعد الأمريكية في المنطقة ، بالإضافة إلى الذخائر التىّ جرى استهلاكها أو تدميرها ، وهذا يشير إلى أن الجهوزية الإيرانية ، وفقاً للاستراتيجية التىّ وضعتها طهران ، لم تكن دفاعية فحسب ، بل حرصت أيضاً على نقل المعركة إلى خارج حدودها ، وهو ما يعني أن المواجهة الإيرانية الأمريكية أصابت جيب كل مواطن أمريكي ، بعدما تجاوزت تكاليفها حدود الميزانيات المخصصة للحروب في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ، كما أن إغلاق المضيق كبّد المواطن الأمريكي نحو 60 مليار دولار إضافية ، وقد تم دفع كل ذلك من جيوب المواطنين الأمريكيين بسبب ما يصفه البعض بالمغامرات الإسرائيلية وجماعات الضغط في الولايات المتحدة ، بل إن الصمود الذي أظهره حزب الله في جنوب لبنان ، رغم التكلفة المرتفعة المتمثلة في تدمير المساكن والبنية التحتية وسقوط الضحايا في صفوف قواته ، حرم الإسرائيليين من تحقيق أي نصر ميداني ، الأمر الذي جعلهم عاجزين عن إيجاد حل يحفظ ماء الوجه ، فحزب الله ، من خلال مواصلة تكبيد الإسرائيليين خسائر يومية في الجنود والضباط ، ومن جهة أخرى إغلاق مضيق هرمز والتهديد بإغلاق باب المندب ، وضع العالم أمام معادلة جديدة : «لا أمن غذائياً ولا استقرار عالمياً إلا بالتفاهم مع ايران »، وذلك بعد أن تسبب شح الأسمدة في تهديد مخزونات الغذاء العالمية .
لقد أثبتت هذه الحرب أن زمن الضرب والهرب ، ذلك الزمن قد مضى بلا رجعة ، وأن دخول جنوب لبنان ليس نزهة ، بل هو مستنقع واسع وعميق قد ينتهي بانهيار المنظومة العسكرية والأمنية الإسرائيلية ، ويظهر ذلك أيضاً في حالة الأمن الداخلي ، حيث يتوسع الانفلات الأمني ، ففي النقب ، يحصد الموت أرواح الناس بسبب المافيات وتجار المخدرات على مدار الساعة ، كما يتفاقم الصراع بين الشاباك والكابينيت بشأن مدينة إيلات (أم الرشراش)، وقد قرعت الاستخبارات الإسرائيلية ناقوس الخطر خشية توغل بري تدعمه المسيّرات والصواريخ اليمنية ، فإيلات، التىّ كانت تُعد منطقة سياحية متكاملة ، تحولت بسبب الحرب المتواصلة والإهمال وعزوف الناس عن التردد إليها إلى ما يشبه كمائن الموت ، وعلى الرغم من تحذيرات الأجهزة الأمنية ، فإن الجيش الإسرائيلي غير قادر على معالجة هذه الجبهة الجديدة بسبب انشغاله في قطاع غزة وجنوب لبنان والضفة الغربية .
إذنً ، ما زال الإسرائيليون لا يدركون جيداً ما ينتظرهم في لبنان ، لقد كشفت قلعة شقيف وبلدة كفرتبنيت جزءاً يسيراً من شبكة الأنفاق التىّ تُخزَّن فيها معدات إيرانية متطورة على مختلف المستويات ، وهي شبكة معقدة ومتطورة ، ترتبط بشبكات أخرى متعددة وواسعة النطاق ، وإذا كانت إسرائيل قد احتاجت إلى ثلاثة أعوام لمواجهة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وما زالت حتى الآن عاجزة عن تحقيق أهدافها بالكامل ، فإن المواجهة في لبنان قد تتطلب سنوات طويلة ، نظراً إلى انتشار الأنفاق في مناطق واسعة من البلاد ، فهذه الأنفاق ليست مجرد ممرات تحت الأرض ، بل مراكز قيادة وتحكم وإدارة عمليات قادرة على إدارة حروب طويلة الأمدً ، وهذا ما يفسر كيف يمكن لجيش الاحتلال دخول أي بلدة ، في حين تبقى المقاومة قادرة على مواجهته من داخل الأنفاق باستخدام المسيّرات وصواريخ الكتف والألغام وغيرها من الوسائل القتالية ، وبالتالي ، فإن ما يتم الترويج له بشأن قدرة جيش الاحتلال على السيطرة على الأراضي الواقعة شمال نهر الليطاني يبدو أمراً بعيد المنال في ظل وجود شبكة أنفاق واسعة الانتشار .

في المحصلة ، تكشف التطورات الجارية في المنطقة عن مرحلة جديدة تتسم بتداخل الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية، بحيث لم يعد بالإمكان الفصل بين الأمن القومي للدول واستقرار محيطها الإقليمي ، ومن هنا ، فإن نجاح أي دولة في حماية مصالحها الاستراتيجية بات مرتبطًا بقدرتها على إدارة التحديات المركبة ، والتعامل مع مصادر التهديد قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة يصعب احتواؤها … والسلام 🙋‍♂️ 

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *