تمهيد: لماذا هذه المقارنة؟
بيتر سنجر (1946–الآن) هو فيلسوف أسترالي، يُعتبر أحد أكثر فلاسفة الأخلاق تأثيراً في العصر الحديث. يشتهر بدعوته إلى توسيع دائرة الاهتمام الأخلاقي لتشمل جميع الكائنات القادرة على المعاناة (بشراً وحيوانات)، وإلى “الإيثار الفعال” (Effective Altruism) الذي يلزم الأفراد الأغنياء بمساعدة الفقراء حول العالم، ونقد القومية كعائق أمام الأخلاق الكونية.
في المقابل، أنطون سعاده (1904–1949) هو مفكر النهضة السورية القومية الاجتماعية – النهضة مشروع ليس له نهاية او سقف هو بشكل دائم يطلب المجتمع الافضل والحياة والقيم الاعلى – الذي أسس فلسفته على مفهوم “الإنسان المجتمع”: الأمة واقع طبيعي وحدة حياة عضوية، تنشأ عبر التفاعل الأفقي (بين أبناء البيئة فيما بينهم) والتفاعل الشاقولي (أبناء البيئة مع الأرض). الإنسان، في نظر سعادة، لا يوجد كـ”فرد واعٍ” خارج انتمائه إلى أمة. وعليه، الواجب الأخلاقي الأساسي هو واجب تجاه هذه الوحدة الحية (الأمة)، لأن كرامة الفرد وأمنه وهويته لا تتحقق إلا من خلالها.
هذه المقارنة لا تهدف إلى “تفنيد” سنجر، بل إلى تقديم فكر سعاده كبديل أخلاقي متكامل، يختلف في منطلقاته الأساسية عن الفلسفات الكونية الغربية. سنعرض أفكار سنجر بأمانة، ثم ننقدها من منظور “الإنسان المجتمع”، مع الاعتراف بنقاط القوة في كل موقف.
تنبيه إلى عدم تكافؤ المقارنة: سنجر فيلسوف حي لديه عقود من الكتابة والتفصيل، بينما سعاده استشهد مبكراً (1949) وترك مشروعه غير مكتمل. ما نقدمه هنا هو مقارنة بين الإطار الأخلاقي لسعاده والتفاصيل الأخلاقية لسنجر، مع الإقرار بأن الجانب المؤسسي في مشروع سعادة يحتاج إلى إكمال.
أولاً: بيتر سنجر – فيلسوف الإيثار الفعال
من هو؟
بيتر سنجر (مواليد 1946) فيلسوف أسترالي، أستاذ البيوأخلاقيات في جامعة برينستون وجامعة ملبورن. يعتبره الكثيرون أكثر فلاسفة الأخلاق تأثيراً في العالم الحالي. بدأ نشره الفلسفي في أوائل السبعينيات، ولا يزال يكتب وينشر بنشاط حتى اليوم. أسلوبه يتميز بالوضوح والحجج العقلانية المباشرة.
خلفيته الفلسفية:
ينتمي سنجر إلى التقليد النفعي (المنفعي) في الفلسفة الأخلاقية، المتأثر بجيرمي بنثام وجون ستيوارت مل. لكنه طوّر هذا التقليد باتجاه ما يُسمى “تفضيل النفعية” (Preference Utilitarianism)، ثم تحول لاحقاً نحو نفعية لذائعية (Hedonistic Utilitarianism) تركز على تقليل المعاناة وتعظيم الرفاهية. جوهر فلسفته هو مبدأ “المساواة في الاعتبار” (Equal Consideration of Interests): يجب أن تُحسب مصالح كل كائن واعٍ – إنساناً كان أم حيواناً – دون تمييز العرق، الجنس، الموقع الجغرافي، أو النوع.
أفكاره الرئيسية:
1. توسيع الدائرة الأخلاقية (Expanding the Moral Circle): يرى سنجر أن تاريخ الأخلاق هو تاريخ توسيع دائرة “من نعطيهم اعتباراً أخلاقياً” – من الأسرة إلى القبيلة إلى الأمة إلى كل البشر. وهو يدعو إلى توسيعها أكثر لتشمل جميع الكائنات الواعية (Sentient Beings) القادرة على المعاناة والاستمتاع، بما فيها الحيوانات.
2. الإيثار الفعال (Effective Altruism): لا يكفي أن تكون كريماً، بل يجب أن تبحث عن أكثر الطرق فعالية لمساعدة الآخرين. يعرّف الإيثار الفعال بأنه “فلسفة وحركة اجتماعية تطبق الدليل والمنطق لتحديد أكثر الطرق فعالية لتحسين العالم”. وقد ألهم هذا المفهوم آلاف الأشخاص للتبرع لمنظمات تنقذ الأرواح بأقل تكلفة (كمكافحة الملاريا في أفريقيا)، واختيار مهن عالية الدخل بغرض التبرع.
3. واجب الأغنياء تجاه الفقراء – حجة الطفل الغارق: يقدم سنجر حجة شهيرة: إذا رأيت طفلاً يغرق في بركة وأنت تستطيع إنقاذه دون خطر على نفسك، فمن واجبك الأخلاقي أن تنقذه. وبالمثل، إذا كنت تستطيع التبرع بجزء من مالك لإنقاذ طفل جائع في الهند (دون التضحية بشيء ذي قيمة مماثلة)، فمن واجبك أن تفعل ذلك. القرب الجغرافي ليس ضرورياً. لكن سنجر يخاطب تحديداً الأفراد القادرين على التبرع (في المجتمعات المستقرة والغنية)، وليس المجتمعات الموبوءة بالحروب أو الاحتلال.
4. مبدأ المساواة في الاعتبار: لا يعني المساواة في المعاملة، بل المساواة في حساب المصالح. ألم الفأر لا يقل أهمية عن ألم الإنسان لمجرد أن الفأر ليس إنساناً.
5. نقد القومية: يرى سنجر أن القومية عائق أمام الأخلاق الكونية. حب الوطن لا يبرر تفضيل مواطن على آخر، لأن قيمة حياة الطفل السوري لا تقل عن قيمة حياة الطفل الأسترالي.
6. حقوق الحيوان: هو من أوائل الفلاسفة الذين دافعوا عن تحرير الحيوان من الاستخدامات غير الضرورية (كالتجارب التجميلية، مزارع المصانع)، بناءً على قدرته على المعاناة.
ثانياً: أنطون سعاده – “الإنسان المجتمع” في سياقه
سعاده أسس فلسفته على مفهوم “الإنسان المجتمع”: الأمة واقع طبيعي =وحدة حياة عضوية، تنشأ عبر تفاعل أبناء البيئة مع بعضهم ومع الأرض. الكائن الأخلاقي المركزي في فلسفته ليس “الفرد الواعي” ولا “الكائن الحساس”، بل “الإنسان المجتمع” – أي الأمة كوحدة حياة متكاملة = الانسان الكامل اما الفرد فهو امكانية اجتماعية – .
نشوء الأمم – النظرية المدرحية:
في كتابه “نشوء الأمم” (الذي كتب في السجن بين شباط وأيار 1936)، يشرح سعاده نظريته في نشوء الأمم قائلاً إنها تنشأ من تفاعل عاملين أساسيين: الإنسان والأرض.
هذه النظرية تقوم على أسس علمية طبيعية واجتماعية:
· الإنسان يتفاعل مع البيئة (بما فيها تنوعها الجغرافي) فيكتسب صفات جسدية وعقلية خاصة.
· السلالات التي تنزل في البيئة وتتفاعل فيه مع بعصها تنتج – عبر الزمن – صفات عامة مشتركة مع بقاء التنوع قائمًا.” المزيج السلالي او السلالة التاريخية،”
· التفاعل نوعان: تفاعل أفقي (بين أبناء البيئة الواحدة فيما بينهم) وهذا يعطي المزيج السلالي، وتفاعل شاقولي (تفاعل أبناء البيئة مع الأرض ).
· عوامل نشوء الأمم هي الأرض والإنسان لا الدين ولا العرق ولا اللغة الناتجان عن المجتمع ، الصفاء العرقي وهم، فكل الأمم “مزيج سلالي”.
هذه النظرية لا تخص الأمة السورية وحدها، بل هي قاعدة عامة لنشوء جميع الأمم.
الوحدة في التنوع:
في النظرة القومية الاجتماعية، لا يوجد “أقليات” في الأمة الواعية. الكل متساوون في الحقوق والواجبات. ما يُسمى “أقليات” في النظرة غير القومية هو في الحقيقة تنوع يغني الأمة ولا يضعفها. الهجرات التي تنزل البيئة بعد نشوء الأمة تضفي تنوعاً على الوجود السكاني وتمتزج مع الزمن في نسيج الأمة. سعاده يحارب العصبيات العرقية والدينية واللغوية، ويرى هذه العصبيات تُستخدم من قبل الدعوات التي ترغب بالتوسع والسيطرة.
القيمة العليا: النهضة – ورفض تقديس الشخص:
في فلسفة سعاده، النهضة القومية ليست مجرد هدف سياسي، بل هي القيمة العليا التي تعلو على كل المصالح الفردية او الفئوية أو الحزبية الضيقة. لم يطلب سعاده أبداً أن يُقدّس شخصه، بل ناهض هذه الفكرة. كان همه الأكبر أن يُقدّس أتباعه القضية والنهضة نفسها.
في خطاب ألقاه في بشامون بتاريخ 3 تشرين الأول (أكتوبر) 1948، قال موضحاً هذا المبدأ بوضوح:
“إنّ سلامتي في نظري تعني لي هذه التكة ـ (وفقش أصابعه). أجل إنّ سلامتي لم تكن ولا تعني لي إلا تكة (إصبعين). إنّ ما يعني لي شيئاً يمكن أن أتمسك به بكل قواي فهو مبادئ النهضة السورية القومية الاجتماعية.” (الأعمال الكاملة)
بهذه الكلمات، جعل سعاده من حياته ثمناً تافهاً إذا ما قورنت بالقضية النهضة. الحزب عنده ليس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق هذه القيمة العليا، وهو مَن يقع على عاتقه واجب إحداث النهضة في المجتمع السوري.
الإنسان المجتمع الجديد = الأمة الواعية لذاتها:
“الإنسان المجتمع الجديد” الذي يلقي سعاده آماله عليه هو الأمة الواعية لذاتها ولمصالحها العليا ومثلها العليا. وهذا موجود في صورته المصغرة في الحزب. غاية سعاده هي إحداث النهضة في الأمة السورية، والحزب وسيلة لهذا الغرض وليس غاية.
ماذا يعني هذا عملياً؟
1. الأمة هي الوعاء الطبيعي للكرامة: لا كرامة لمن لا أمة له. الفرد المشرد، المنتمي إلى كيان مصطنع طائفي، لا يمكن أن تتحقق له الكرامة الكاملة. مثال: في الدولة اللبنانية الطائفية الكيانية، عدد المهاجرين اللبنانيين في أنحاء العالم أكبر من عدد السكان المقيمين.
2. الدولة القومية العادلة هي الضامن الفعلي: سعاده يفرق بين “الأمة” (واقع طبيعي) و”الدولة” (تنظيم سياسي). الدولة قد تكون قومية (تعبر عن أمة واحدة)، أو كيانية (الأمة عدة كيانات سياسية)، أو إمبراطورية (دولة متعددة القوميات). الدولة القومية هي الإطار الأكثر قدرة على تحقيق العدالة، لأن الفضاء الاقتصادي القومي أوسع ويؤمن اقتصاداً أقوى. سعاده ضد التوسع: الدولة القومية الموجودة في بيئتها الطبيعية، وإذا خرجت خارج هذه الحدود تصبح دولة إمبراطورية.
3. العدالة تحتاج إلى شرطين: الوحدة أولاً، ثم النظام الاقتصادي الاجتماعي العادل. بدون الوحدة، حديث الدول الكيانية عن العدالة مشوه أو إمكانياته ضعيفة.
4. سعاده يؤمن بالعدالة الإنسانية والتعاطف الإنساني: لكنه لا يجده مجدياً “كتعاطف المجتمعات”. الفرد قد يتعاطف مع الجائع في الهند، لكن المجتمع الذي لا يضمن قوته وأمنه لا يستطيع تحويل هذا التعاطف إلى فعل.
5. الأمة قد تكون واعية لذاتها أو غير واعية: الأمة السورية اليوم في حالة ضعف: تخلف، طائفية، تجزئة. النهضة هي عملية تحويل هذه الأمة إلى حالة القوة والوعي.
6. سعاده لم يؤسس فكره على كره الأجانب: كل الأمم “مزيج سلالي”، والصفاء العرقي وهم. القومية عنده ليست عنصرية، بل وعاء لتحقيق حياة كريمة لأبناء الأمة، ثم لتحمل رسالة إلى الأمم الأخرى. القومية عنده هي وعي الواقع، ومن الواقع أننا مزيج سلالي.- الواقع غني لايمكن حصره بالمزيج .
7. النهضة و العطاء للعالم: ما تقدمه الأمة السورية الناهضة للعالم هو فكرها أولا: القومية الاجتماعية كنموذج للتحرر والبناء. وهذا الفكر يُعرض، لا يُفرض. المجتمعات الأخرى حرة تماماً في قبوله أو رفضه. بعد النهضة، تساهم الأمة في تقدم الحضارة الإنسانية والخير الإنساني العام، وتشترك في تقرير مصير محيطها على أساس رؤيتها الإنسانية العامة، وتسعى لإقامة الجبهة العربية من أمم العالم العربي لتكون لها دور في السياسة العالمية بحيث تحفظ حقوق الأمم العربية والأمم الضعيفة ما أمكن.
8. مشروع غير مكتمل: استشهد سعاده مبكراً قبل أن يتمكن من تفصيل نظام الحكم التعبيري في دولة الامة ، كيف يمكن تطبيقة في المجتمع . الحزب بعد رحيله تعرض لضربات قاسية حالت دون إكمال البناء، والحلول المرتجلة التي اتخذت في ظروف الاضطهاد زادت الأمور تعقيداً. اليوم، مهمة إكمال بناء هذا المشروع (تفصيل نظام الديمقراطية التعبيرية، آليات تطبيقه، علاقته بمؤسسات الدولة) ما تزال مفتوحة، وتحتاج إلى جهود جماعية نقدية وليس إلى مجرد تكرار للنص.
ثالثاً: نقاط التقاطع (المشروطة)
قبل النقد، نذكر أين يلتقي سعاده مع سنجر بشكل مشروط:
1. نقد اللامبالاة والفردانية الأنانية: كلاهما يرفض النموذج الأخلاقي القائم على “كل إنسان لنفسه”. سنجر يدعو إلى الإيثار، وسعاده يرفض الأنانية الفردية ويعتبر الفرد جزءاً من كل أكبر.
2. الإيمان بالعقلانية: كلاهما يؤمن بأن الأخلاق يجب أن تكون قائمة على الحجة العقلية، وليس على التقاليد العمياء أو العواطف غير المدروسة. سعاده يرى العقل “شرعاً أعلى”، والعقل عنده هو “العقل المجتمعي” لا الفردي المجرد.
3. الانتباه للفقر والمعاناة: كلاهما يضع تخفيف المعاناة هدفاً أخلاقياً، لكنهما يختلفان في الأولويات والوسائل.
4. رفض القسوة على الحيوان: سعاده لم يكتب بشكل خاص بهذا المجال لكن من يقراه يخلص الى انه ليس ضد الرفق بالحيوان. هو يرى الحيوان للخدمة ضمن حدود الرحمة، لكنه يرفض تعذيب الحيوان دون سبب. الاختلاف أنه لا يجعله أولوية على تحرير الإنسان.
رابعاً: نقاط الاختلاف الجوهري (النقد من منظور “الإنسان المجتمع”)
الاختلاف الأول: الكائن الأخلاقي المركزي – “الإنسان المجتمع” مقابل “الكائن الحساس”
سنجر: الكائن الأخلاقي المركزي هو “الكائن الحساس” (القادر على المعاناة)، سواء كان إنساناً أو حيواناً. يبني على ذلك مساواة نسبية في الاعتبار بين جميع الكائنات الواعية.
سعاده: الكائن الأخلاقي المركزي هو “الإنسان المجتمع” – الأمة كوحدة عضوية حية. ليس الفرد المجرد، وليس الحيوان. الأمة هي التي تمنح الحياة معناها، وتحدد الواجبات والحقوق. الحيوان للخدمة ضمن حدود الرحمة، لكنه ليس شريكاً أخلاقياً للإنسان بالمفهوم الإنساني نفسه.
النقد من منظور سعاده: سنجر يتعامل مع “الفرد” (الإنسان أو الحيوان) كوحدة أخلاقية معزولة. سعاده يرى أن هذا التجريد يتجاهل حقيقة أن الإنسان لا يوجد في الفراغ. الإنسان الحقيقي هو ابن بيئته وأرضه وتاريخه. الأخلاق التي تبدأ من “الفرد الحساس” بدلاً من “الإنسان المجتمع” هي أخلاق مبتورة، لا تعكس طبيعة الوجود الإنساني.
الاختلاف الثاني: الواجب الأخلاقي – التدرج مقابل اللامحدودية
سنجر: الواجب الأخلاقي فردي ومباشر وكوني. أنا مسؤول عن الطفل الجائع في الهند كما أنا مسؤول عن جارتي في شيكاغو. القرب الجغرافي أو القومي لا يغير الواجب. القومية عائق.
سعاده: بما أن “الإنسان” الحقيقي هو الأمة، فإن واجب الأمة الأخلاقي هو تجاه نفسها أولاً. الأمة التي لا تبني نفسها، لا تحرر أرضها، لا توحد أبناءها، لا تستطيع أن تقدم شيئاً للعالم. التدرج الأخلاقي: الأسرة → الحي → الأمة → ثم الإنسانية. الأمة القوية فقط هي القادرة على العطاء الحقيقي للعالم.
النقد: سنجر يطالب الفرد (خاصة الغني في المجتمع المستقر) بواجبات قد تكون ممكنة التحقيق. لكنه يتجاهل البنى الهيكلية للإمبريالية والاستعمار التي تسبب الفقر أصلاً. سعاده يقدم بديلاً واقعياً: قوِّ أمتك، ثم انظر كيف يمكنك مساعدة الآخرين. لا تبدأ من حيث لا تستطيع.
الاختلاف الثالث: تقديم الفكر قبل المساعدات المادية
سنجر: قدم المال، تبرع، تطوع. هذا هو الإيثار الفعال.
سعاده: أعلى ما يمكن أن تقدمه أمة لأمة أخرى هو فكرها، وليس مالها أو طعامها إلا إذا نهضت عليها تقديم المال. لماذا؟ لأن الفكر هو الذي ينهض الأمم. المساعدات المباشرة (خاصة من قوي إلى ضعيف) غالباً ما تأتي بشروط وتتحول إلى هيمنة واستغلال. ما تقدمه الأمة السورية الناهضة للعالم هو فكرها: القومية الاجتماعية كنموذج للتحرر والبناء. وهذا الفكر يُعرض، لا يُفرض. لا إكراه في الفكر أبداً.
النقد: سنجر يقدم نموذجاً أخلاقياً يصلح لمجتمعات الرفاهية الغربية أوالدولة أن نظريته لا تنطبق على المجتمعات التي تعاني أصلاً من الفقر والحروب.ة حيث الفرد غني مستقرة.
أما في سياق الاستعمار والتجزئة، فحديثه عن “التبرع الفردي” هو هروب من المعركة الحقيقية: معركة تغيير الهيكل الظالم للعالم. سعاده يقدم بديلاً: التغيير يبدأ من الأمة، بقوتها وفكرها، وليس بصدقات الأفراد.
الاختلاف الرابع: الحيوان – خدمة ضمن حدود الرحمة
سنجر: الحيوان شريك أخلاقي يستحق اعتباراً مساوياً (بالمصالح). يدعو إلى تحرير الحيوان بالكامل من الاستغلال البشري.
سعاده: الحيوان للخدمة ضمن حدود الرحمة. لا يجوز تعذيب الحيوان أو قسوته. لكن الأمة السورية التي تعاني من التقسيم والاحتلال لا يمكن أن تجعل حقوق الحيوان أولوية أخلاقية. أولاً تحرير الإنسان، ثم ترف الأخلاق الكاملة.
النقد: سنجر يخاطب المجتمعات الغنية المستقرة حيث الطعام وفير ويمكن رفع الوعي بمعاناة الحيوان دون أن يكون ذلك على حساب الفقراء. في سياق آخر، الأولويات تختلف. سعاده يصيب في ترتيب الأولويات بحسب سياقه.
الاختلاف الخامس: تغيير العالم – تنظيم الأمة مقابل جهود الأفراد
سنجر: التغيير يأتي عبر الأفراد الذين يتبرعون، يستهلكون بشكل أخلاقي، يغيرون سلوكهم الشخصي، ويرفعون الوعي.
سعاده: التغيير الحقيقي يأتي عبر تنظيم الأمة، من خلال دولة قادرة، ومن خلال إعادة بناء الوعي الجمعي. الجهود الفردية المتفرقة، مهما كانت نبيلة، لا تغير ميزان القوى في العالم. الإمبريالية تُواجه بقوة منظمة، وليس بصدقات محسنة.
النقد: سنجر يركز على سلوك الأفراد (التبرع، الاستهلاك) بدلاً من تغيير الأنظمة والهياكل. هذا قد يعزز الوضع القائم بدلاً من قلبه. سعادة يقدم بديلاً جذرياً: بناء أمة قوية قادرة على تغيير ميزان القوى.
خامساً: اعترافات نقدية (منصفة لسنجر)
من الإنصاف أن نعترف بأن لسنجر نقاط قوة يمكن استلهامها، بشرط أن تكون ضمن الإطار القومي وليس بديلاً عنه:
1. فضح اللامبالاة الأخلاقية: يفضح أولئك الذين يعيشون في رفاهية ويتجاهلون فقراء العالم. سعاده٠ يرفض هذه اللامبالاة أيضاً، لكنه يحلها عبر تنظيم الأمة لا عبر التبرع الفردي.
2. العقلانية كأساس للأخلاق: يقدم حججاً عقلانية واضحة ومباشرة. سعاده أيضاً يرفض الأخلاق التقليدية العمياء ويؤسس للعقل المجتمعي.
3. الانتباه للفقر والمعاناة: جعل تخفيف المعاناة هدفاً مركزياً. سعاده أيضاً، لكنه يعتقد أن تخفيف المعاناة الحقيقي يبدأ بتحرير الأمة من أسباب المعاناة الهيكلية (الاستعمار، التقسيم، الطائفية).
4. رفض القسوة على الحيوان: سعاده مع الرفق بالحيوان. لكنه لا يجعله أولوية قبل تحرير الإنسان.
كل هذه النقاط يمكن استلهامها ضمن إطار قومي اجتماعي، وليس بديلاً عنها.
سادساً: خلاصة – “الإنسان المجتمع” كبديل أخلاقي
ما يقدمه سعاده ليس مجرد نقد لفكر سنجر، بل “نظرية أخلاقية بديلة” قائمة على مفهوم “الإنسان المجتمع”:
· القيمة العليا هي النهضة: سعاده لم يطلب تقديس شخصه، بل طلب تقديس النهضة نفسها. قال في خطابه في بشامون عام 1948 مشيراً بأصابعه إن سلامته لا تساوي شيئاً أمام مبادئ النهضة. الحزب وسيلة، والغاية هي النهضة القومية الاجتماعية.
· بدلاً من “الفرد الكوني” (المسؤول عن كل كائن في العالم)، يقدم سعاده “الإنسان المجتمع” (الأمة) الذي مسؤوليته الأولى تجاه وحدتها العضوية، لأنها مصدر وجود الفرد وكرامته.
· بدلاً من “الواجب اللامحدود والمباشر” (الذي قد يستنزف الفرد أو يتجاهل البنى الهيكلية)، يقدم سعاده “التدرج الأخلاقي”: الأسرة ← الحي ← الأمة ← الإنسانية. الأمة القوية فقط هي القادرة على العطاء الحقيقي للعالم.
· بدلاً من “تقديم المساعدات المادية” (التي قد تحمل شروطاً أو تستعبد)، يقدم سعاده “تقديم الفكر” كأسمى أنواع العون. الفكر يحرر، والمساعدات قد تستعبد. والفكر يُعرض في حرية تامة، ويُقبل أو يُرفض دون إكراه.
ماذا بعد نهضة الأمة القوية؟ سعادة لم يغلق الباب على الأمة بعد نهضتها. بل دعا إلى:
· قيام الجبهة العربية كإطار للتعاون بين الأمم العربية.
· المشاركة في تقرير مصير محيطها.
· المساهمة في الحضارة الإنسانية بما يحقق الخير العام.
· حماية حقوق الأمم الضعيفة بقدر ما تستطيع.
الدولة القومية عنده ليست إمبراطورية تتوسع، بل كيان يساهم في نظام عالمي أكثر توازناً.
السؤال الأخير لسنجر من منظور سعاده: كيف تطلب من الأمة السورية التي تعاني من التقسيم والاحتلال والطائفية والفقر المدقع، أن تشعر بمسؤولية أخلاقية تجاه فأر مختبر في أوروبا أو طفل جائع في الهند، قبل أن تجمع شملها، وتحرر أرضها، وتطهر مجتمعها من الأمراض الاجتماعية والسياسية، وتبني دولتها القوية العادلة؟
وجواب سعاده نفسه: لا تبدأ من حيث لا تستطيع. ابدأ بأمتك. قوِّها، وحدها، حررها، ، اعرض فكرها على العالم كهدية، لا كمنّة. فمن يقتنع به ينهض بنفسه، ومن لا يقتنع فله سبيله. هذه هي الأخلاق العملية لـ”الإنسان المجتمع” الذي يعي ذاته ومسؤولياته.
. سنجر – “الإيثار الفعال”
نقد ختامي: أين يقف “الإيثار الفعال” من التغيير الفعّال؟
سنجر يفضح اللامبالاة الأخلاقية ويحرض الأغنياء في الغرب على التبرع لإنقاذ الأرواح. لكن نموذجه يخاطب أفراداً في مجتمعات مستقرة، ويتجاهل البنى الهيكلية للإمبريالية والاستعمار التي تسبب الفقر أصلاً. فلسفته تصلح كدافع فردي للإحسان، لكنها لا تصلح كبديل عن تغيير النظام العالمي الظالم. سعاده يقدم بديلاً: الأمة القوية وحدها القادرة على العطاء الحقيقي، وأعلى عطاء هو الفكر الذي يحرر، وليس المال الذي قد يستعبد.
خاتمة: سعاده استشهد مبكراً وترك مشروعه غير مكتمل. الحزب بعد رحيله لم يكمل البناء نتيجة الضربات التي تعرض لها، والحلول المرتجلة زادت الأمور تعقيداً. اليوم، مهمة إكمال هذا المشروع ما تزال مفتوحة، وتحتاج إلى جهود جماعية نقدية، وليس إلى مجرد تكرار للنص أو قداسته. سعادة ليس “قديساً” يُعبد، بل مفكر استشهد في طريقه، وترك إرثاً فكرياً يحتاج إلى من يكمله.
ملاحظة حول منظور هذا النص:
هذا المقال كُتب من داخل القلق الوجودي السوري، وليس من برج أكاديمي أوروبي. لا أدعي الحياد المطلق، ولا أدعي معرفة متعمقة بالفلسفة الكونية. هذا المقال هو محاولة لفهم سنجر من منظور سعاده، وليس تفنيد سنجر. النقد مرحب به، شريطة أن يعترف باختلاف المواقع والوسائل المتاحة.
