الذاكرة الروسيةبين إرث النصر وتحولات الدولة …

مروان صباح :
هل تكون أميركا الاتحاد السوفييتي التالي؟     تظلّ التجارب التاريخية الكبرى جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية للشعوب ، ولا سيّما حين ترتبط بمراحل مصيرية صنعت ملامح الهوية السياسية والثقافية للأمم ، فالتاريخ ، في جوهره ، ليس مجرد أرشيف للأحداث ، بل هو وعيٌ جماعي تتشكّل من خلاله صورة الأمة عن ذاتها وعن دورها في العالم ، ومن هنا، فإن إنكار المحطات المفصلية أو التقليل من شأنها لا يمكن أن يخدم أمة متماسكة ثقافياً وجغرافياً ووطنياً ، أمة ترى نفسها فاعلة في التاريخ لا مفعولاً بها ، وتعتز بإرثها الأدبي والثقافي وإنتاجها الفكري .
وفي هذا السياق ، يبقى الشعب الروسي نموذجاً لشعبٍ جمع بين الرهافة الإنسانية والصلابة التاريخية ؛ فهو شعب عُرف بحسّه الأدبي العميق ، وطرائفه الشعبية الواسعة والرقص الشعبي ، كما عُرف في الوقت ذاته بقدرته الاستثنائية على التحمّل ومواجهة الأعداء ، وبعيداً عن السجل الطويل لصراعات القوى الكبرى ، شهد القرن الماضي ولادة الماركسية بوصفها ردّاً فكرياً وسياسياً على الرأسمالية ، التىّ اعتبرها الفكر الشيوعي منظومة استعلائية ينبغي إسقاطها واستبدالها بمشروع اشتراكي يقوم على العدالة الاجتماعية وإدارة الموارد والإنتاج بصورة جماعية ، وقد شكّل الامتداد الماركسي جزءاً من العقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي العالمي ، إذ اعتمدت الأيديولوجيا الشيوعية على المادية التاريخية كمرجعية فلسفية ، وتبنّت الإلحاد نفياً للدين ، ثم نادت بالدولة الاشتراكية والمجتمع الشيوعي في مواجهة الليبرالية والرأسمالية ، وإذا كانت الليبرالية الأوروبية قد مثّلت تمرّداً على سلطة الكنيسة ، فإن الشيوعية ذهبت أبعد من ذلك ، حين أطلقت مشروع الطبقية والاقتصاد الاشتراكي والمجتمع الشيوعي ، الأمر الذي سمح بانتشار التيار الماركسي في عدد من الدول الغربية والآسيوية ، وتحوله إلى أحزاب سياسية ونقابات عمالية ومنتديات ثقافية ذات تأثير واسع في المنظومات الغربية .
غير أن آسيا الوسطى ، التىّ عاشت تحت حكم الإمبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفياتي ، شهدت موجات من القمع والإبادات البشرية والثقافية والدينية ، وعلى الرغم من أن شعوب تركستان – وهو المصطلح الذي يُطلق على الشعوب التركية في تلك المنطقة – دعمت الثورة البلشفية وساندت الجيش الأحمر ، فإنها دفعت لاحقاً أثماناً باهظة في ظل السياسات السوفياتية الصارمة ، ومنذ ذلك الحين ، باتت الساحة الحمراء في موسكو تشهد سنوياً عرضاً عسكرياً ضخماً تستعرض فيه روسيا قدراتها العسكرية والصناعات الدفاعية الحديثة ، وهذا العرض لا يمكن اختزاله في مجرد طقس بروتوكولي أو تضخم رمزي لهيبة الدولة ، بل يرتبط بالعقيدة العسكرية الروسية القائمة على مركزية الدولة ودور القيادة السياسية في صياغة مفهوم القوة ، وهي عقيدة تختلف جذرياً عن العقيدة الغربية في الأنظمة الديمقراطية ، حيث تُحتسب كلفة الحروب والخسائر البشرية ضمن الحسابات السياسية والانتخابية .
ومع ذلك ، تبقى الانتصارات العسكرية ، مهما بلغت كلفتها الإنسانية ، جزءاً من الذاكرة الجمعية للشعوب ، ولعلّ احتفال روسيا بـ«عيد النصر» في الساحة الحمراء ليس سوى تذكير دائم بحجم التضحيات التىّ قدّمتها خلال الحرب العالمية الثانية ، حتى غدا هذا اليوم ، في الوعي الروسي ، أكثر حضوراً من احتفالات رأس السنة الميلادية نفسها ، وعلى الرغم من استمرار هذا التقليد الوطني ، فإن الخطاب الثوري الذي رافق الثورة البلشفية تراجع تدريجياً بعد وفاة فلاديمير لينين ، مؤسس البلشفية ، إذ انتقل الحزب الشيوعي من مرحلة الانتماء للفكرة إلى مرحلة الولاء للدولة ، فتحولت الامتيازات التىّ كانت تُمنح للمحاربين والجرحى وعائلات الضحايا بوصفها حقوقاً وطنية إلى أدوات تُدار وفق معايير الولاء السياسي ، فأصبح يومُ النصرِ بالنسبةِ للروسِ أشبهَ بيومٍ يُذكِّرُهم بالدكتاتورية .
وفي مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي، تحوّل «عيد النصر» إلى مناسبة دولية تجمع قادة العالم ، وتحديداً الدول الحليفة التىّ شاركت في الحرب ضد النازية ، إلا أن التحول الأبرز في العهد الروسي الجديد تمثّل في إعادة الاعتبار للمارشال غيورغي جوكوف بوصفه الشخصية العسكرية الأبرز في النصر ، مقابل تراجع الحضور الرمزي لجوزيف ستالين ، رغم أن جوكوف كان القائد الفعلي للمعارك التىّ انتهت بدخول برلين ، لكن مع وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة ، عادت العلاقات الروسية الغربية إلى أجواء التوتر التىّ طبعت مرحلة الحرب الباردة ، فعاد الخطاب التاريخي والإيديولوجي ليطفو على السطح ، بما يحمله من تناقضات بين الشرق الروسي والغرب الأوروبي ، ورغم أن بوتين أمر بتشييد نصب تذكاري يخلّد الجنود الذين شاركوا في التحالف ضد النازية ، فإن الخنادق المشتركة التىّ جمعت الروس والغربيين في الحرب العالمية الثانية لم تكن كافية لتجاوز الإرث التاريخي العميق بين الطرفين .
فالمنظومة الغربية ، التىّ تستند إلى الديمقراطية وصناديق الاقتراع ، تنظر إلى الحرب بوصفها مواجهة بين الحرية والاستبداد ، بينما يرى الروس أن النصر على النازية كان معركة وجود وإنقاذ للأمة الروسية ذاتها ، حتى إن الجنود السوفيات تعاملوا مع ذلك النصر باعتباره لحظة خلاص تاريخية كبرى ، أما الغرب ، فقد أدرج هذا الانتصار ضمن سياق تطور الديمقراطية الليبرالية وتأثيرها في تشكيل النظام العالمي الحديث .

وهكذا ، يبقى «عيد النصر» في الوعي الروسي أكثر من مناسبة وطنية ؛ إنه تعبير عن سردية تاريخية ترى فيها روسيا نفسها أمة دفعت أثماناً باهظة من أجل البقاء ، وما تزال تعتبر ذاكرتها التاريخية جزءاً من معركتها السياسية والحضارية في العالم المعاصر … والسلام 🙋

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *