الاشتغال في السياسة ليس بالأمر الهيّن أو اليسير كما يعتقد كثيرون ؛ فالحروب ، سواء كانت باردة أم ساخنة ، ليست وليدة اللحظة ولا حكرًا على هذا العصر ، بل هي امتداد طبيعي لصراع المصالح وتبدّل موازين القوى عبر التاريخ ، ولكل حقبة منظّروها ورجالاتها ؛ فمنهم أصحاب المنطق الوسطي الذين يؤمنون بالتوازن والحلول المرحلية ، ومنهم أصحاب النزعة الاندفاعية الذين يرون الحسم بالقوة ، كما لا يغيب عن المشهد أولئك الذين تحكمهم الحسابات المادية الصرفة .غير أن السياسة ، إلى جانب الحسابات والاستراتيجيات ، تحمل أيضًا قدرًا كبيرًا من الحظوظ التاريخية ؛ ففي بعض المراحل ، يتسلّم السياسي زمام الحكم في لحظة تكون فيها دبلوماسية بلاده في ذروة النفوذ ، حتى تكاد المؤسسات الدولية ، بما فيها المحاكم والمنظمات الأممية ، تتحول إلى هياكل شكلية فاقدة للتأثير الحقيقي ، ولهذا لم تؤمن الإمبراطوريات الكبرى يومًا بما يُسمّى “الدبلوماسية الفاضلة”، بل كانت تؤمن بمنطق القوة وفرض الإرادة ، ومن هذا المنطلق ، يمكن فهم الصمت الدولي المريب تجاه الإبادة الجماعية التىّ تنفذها إسرائيل بحق الفلسطينيين ، حيث بدت المحكمة الدولية عاجزة عن ردع الجريمة أو حتى إدانتها بفاعلية حقيقية ، وهنا تبرز الحاجة الملحّة لأن تعيد الولايات المتحدة الأمريكية النظر في المتغيرات الكبرى التىّ يشهدها العالم ، بعيدًا عن الرؤية الضيقة التىّ يفرضها المشروع الصهيوني ومصالح دولة الاحتلال .
فالاستمرار في حالة الاستنزاف ، الممتدة منذ الحرب على العراق وحتى اليوم ، يشير إلى أن المسألة لم تعد مجرد مصالح مرتبطة بشركات السلاح أو شبكات اللوجستيات العسكرية ، بل إن واشنطن باتت على وشك خسارة حلفائها الدوليين بسبب انحيازها الأعمى لإسرائيل ، فهي، بهذا النهج ، لن تنقذ الإسرائيليين ، ولن تحافظ على ثقة حلفائها التقليديين ، سواء في تايوان، أو أوروبا، أو كوريا الجنوبية ، أو حتى في الخليج العربي ، وخلال المواجهة مع إيران، وبعد أن استنزفت إسرائيل جزءًا كبيرًا من مستودعاتها العسكرية في عدوانها على قطاع غزة ، برز نقص حاد ومقلق في مخزون الصواريخ داخل القواعد الأمريكية الخارجية والداخلية ، وبالتالي، فإن البنتاغون لم يكن صريحًا مع الرئيس دونالد ترمب، بينما استمر البيت الأبيض في تجميل الصورة وتقديم رواية مطمئنة ، حتى بات الحلفاء يشعرون بأنهم أصبحوا لقمة سائغة في حرب تقودها تل أبيب بلا أفق ولا نهاية .
ويزداد هذا التساؤل إلحاحًا مع تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن نتائج الحرب الأمريكية مع طهران ، والذي يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل أصبحت الولايات المتحدة نمرًا من ورق؟ ، فالتقارير الاستخباراتية الألمانية ، كما يُتداول ، تتحدث بوضوح عن أن حقيقة الحربين—حرب إسرائيل في جنوب لبنان ، والحرب الأمريكية على إيران—أخطر بكثير مما يرويه الإعلام ، فبرغم آلاف الضربات الإسرائيلية والأمريكية ، لا تزال إيران تحتفظ بنسبة معتبرة من قدراتها الجوية القديمة بالإضافة إلى قدرتها الجديدة من الصين وروسيا ، إلى جانب معظم ترسانتها الصاروخية وزوارق الألغام البحرية ، بينما يبقى مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران ، وفي المقابل، يبدو أن البنتاغون يبيع الوهم للرأي العام الأمريكي ، بينما يرى كثير من الأكاديميين والعسكريين أن واشنطن تكرر الأخطاء ذاتها التىّ وقعت فيها إسرائيل في حربها المفتوحة ، وكان من الأساس ألّا تنزلق الولايات المتحدة إلى هذا المسار ، لأن الاستمرار فيه لا يعني سوى انتحار جيوسياسي ، تمامًا كما يحدث لإسرائيل في جنوب لبنان .
هذا الانكشاف الاستراتيجي أتاح لدول المنطقة فرصة تطوير قدراتها العسكرية بشكل لافت ، حتى بات بعضها يمتلك تفوقًا نوعيًا يربك الحسابات الإسرائيلية ، وفي الوقت نفسه ، تستفيد كل من الصين وروسيا من هذا الاستنزاف الأمريكي ، عبر إعادة تشكيل موازين القوة الدولية بهدوء وثبات ، لذلك ، فإن المعركة الحقيقية اليوم لا تُخاض فقط في الشرق الأوسط، بل أيضًا داخل الولايات المتحدة نفسها ، بين أصوات العقل التىّ تخشى تحويل بلادها إلى قوة متآكلة النفوذ ، وبين قوى الشركات الكبرى والدولة العميقة التىّ تدفع نحو استمرار الحرب مهما كان الثمن ، وتكشف الأزمة الاقتصادية المرتبطة بالحرب على إيران عن حجم الإخفاق في مسار المفاوضات الحالية ، التىّ تتأرجح بين التقدم والتراجع ، والسؤال هنا: هل بقي لدى الإيرانيين ما يمكن التفاوض عليه بعد كل هذه الضربات؟
الواقع يشير إلى أن إيران لم تدخل المواجهة دون أوراق قوة ، بل ادّخرت أدوات متعددة للردع والمواجهة ، فهي تمتلك أولًا اليورانيوم المخصب الذي يتيح لها الاقتراب من العتبة النووية ، لكنها تمتلك أيضًا ما يمكن وصفه بـ”السلاح النووي الاقتصادي”، والمتمثل في مضيق هرمز ، وهو السلاح الأكثر تأثيرًا على الاقتصاد العالمي ، إلى جانب ذلّك ، تمتلك إيران بنية صناعية واسعة لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة ، كما أن أغلب منشآتها العسكرية الحساسة تقع تحت الأرض وداخل الجبال ، فضلًا عن ارتباطها بمسارات دعم غير معلنة من الصين وروسيا ، ما يمنحها قدرة عالية على الصمود والاستنزاف طويل الأمد ، وفي الداخل الأمريكي والإسرائيلي ، تبدو الأشهر المقبلة أكثر تعقيدًا بالنسبة لكل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب ، فالقوى السياسية الإسرائيلية بدأت تتوحد استعدادًا للانتخابات القادمة ، بينما تتصاعد داخل الكونغرس الأمريكي أصوات جمهورية وديمقراطية ترفض تمديد الحرب وتحمّل كلفتها السياسية والاقتصادية .
الرئيس ترمب ، الذي تعامل سابقًا مع أعضاء الكونغرس بمنطق التهميش ، يجد نفسه اليوم أمام استحقاق قانوني وسياسي بالغ الخطورة ، في مشهد يعيد إلى الأذهان أجواء حرب فيتنام ، حيث تتآكل شرعية الحرب من الداخل قبل أن تُهزم في الميدان ، وفي المقابل ، فإن استمرار حزب الله في استنزاف إسرائيل جنوب لبنان ، وفشل الحصار البحري والضربات العسكرية في دفع إيران إلى الاستسلام ، يؤكدان أن معادلة الردع لم تعد أحادية الاتجاه ، بل إن طهران ، بإغلاق مضيق هرمز ورفع أسعار النفط وتهديد العالم بأزمة طاقة وأسمدة وتضخم عالمي ، نقلت المعركة إلى مستوى أكثر تعقيدًا وتأثيرًا .
وإذا كان الرئيس الأمريكي ينتظر اتصالًا من الإيرانيين ، أو يظن أن الوقت لا يزال في صالحه ، فإن العالم لا يملك هذا الترف ، خصوصًا النواب الذين يواجهون ضغوط الناخبين قبيل الانتخابات المقبلة ، حيث يصبح انخفاض الأسعار واستقرار الأسواق أولوية تتجاوز الحسابات العسكرية ، وفي النهاية ، حتى لو تجاوز البيت الأبيض قرار الكونغرس ، فإن جوهر المسألة يبقى مرتبطًا بقدرة إيران على استنزاف الولايات المتحدة وإضعاف نفوذها الدولي ، تمامًا كما يحدث في الميدان اللبناني ، حيث تطورت أساليب المواجهة بشكل أربك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، وفرض واقعًا جديدًا لا يمكن تجاهله ، فحزب الله استخدم مسيّرات مفخخة تُوجَّه بكابلات ألياف ضوئية بدلًا من الاتصال اللاسلكي ، ويُعتقد أن هذا الأسلوب يجعل اعتراضها أصعب ، وقد أدى إلى سقوط قتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي بحسب تلك التقارير .
