بين أوهام السلام وحقائق الصراع…

  سلاح المستضعفين للسخرية".. الكاريكاتير يقاتل دفاعا عن غزة | ثقافة | الجزيرة نت   بين أوهام السلام وحقائق الصراع: قراءة سياسية في مفاوضات لبنان وإسرائيل وتحولات الإقليم..

  في السياسة ، لا تُقاس الحقائق بما يُقال على الطاولات المستديرة ، بل بما يُرسم على خرائط الميدان ، وما يُحفر في ذاكرة الشعوب من تجارب وخيبات ، فالتاريخ لا يرحم من يتجاهل ثوابته ، ولا يغفر لمن يكرر أخطاءه تحت عناوين جديدة ، ومنذ نشوء الصراعات الكبرى في المنطقة ، ظلّ إهمال الحقائق الراسخة سمة ملازمة لعلاقات القوة بين الدول ، حيث تتصرف القوى الكبرى بمنطق الهيمنة لا بمنطق العدالة ، وتتعامل مع حقوق الشعوب بوصفها تفاصيل قابلة للتجاوز ، لا مبادئ ثابتة لا يجوز المساس بها .
في فلسفة الدولة الكبرى ، تُبنى القرارات على موازين النفوذ لا على معايير الحق ، وتُفرض الحلول وفق المصالح لا وفق الشرعية ، ومن هذا المنطلق ، يمكن قراءة المشهد اللبناني الراهن ، ولا سيما ما يُثار حول المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ، والتىّ جرت وتُطرح مجددًا في ظل غياب إجماع وطني حقيقي ، حتى في حدّه الأدنى ، فالقوى السياسية المؤثرة نفسها لا تملك تصورًا واضحًا للأسس التىّ يجب أن تتحرك عليها الدولة اللبنانية ، ولا لطبيعة العلاقة الممكنة مع إسرائيل ، في ظل استمرار الاحتلال وغياب أي أفق حقيقي لإنهاء القضية الفلسطينية ، فإن الذهاب نحو سلام كامل مع الإسرائيليين دون إنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية يُعد خروجًا صريحًا على الثوابت القومية العربية ، واستمرارًا في ارتكاب الأخطاء نفسها التىّ أُعيد إنتاجها مرارًا في العقود الماضية،بل إن كل ما يُقال عن سلام قريب بين الطرفين يبدو أقرب إلى محاولة لخلط الأوراق الداخلية ، وتشتيت قوى المجتمع والمقاومة والجيش ، أكثر من كونه مشروعًا حقيقيًا لإنهاء الصراع .
وطالما أن الإسرائيليين والأمريكيين أخفقوا في تحقيق أهدافهم خلال الأشهر السابقة ، سواء في حربهم على إيران أو في المواجهة مع حزب الله في لبنان ، فإن أي محاولة لإعادة إشعال الحرب مرة أخرى ستُفضي إلى إخفاق أكبر ، فببساطة، لم تعد هناك أهداف حيوية قابلة للاستهداف سوى البنية الخدمية العامة للشعوب ، وهو أمر لا يغير المعادلة الاستراتيجية إذا ما اعتُبر ضمن سياق صراع وجودي طويل الأمد ، فالإيرانيون، بدورهم، يراقبون بوضوح حركة الإخلاءات التىّ تقوم بها بعض الدول الأجنبية لرعاياها ، وهي خطوات سريعة توحي بوجود معلومات عن احتمالات تصعيد واسع قد يطال الحدود وخطوط الإمدادات ، وهذا ما يفسر أيضًا الجدل الذي أُثير حول استقالة وزير البحرية الأمريكية جون فيلان ، أو إقالته ، بعدما تحدث عن تراجع هيبة الجيش الأمريكي ، والخسائر المتزايدة في صفوفه ، سواء البشرية أو المعنوية ، وقد أشار، وفق ما نُقل عنه ، إلى أن القرار داخل البيت الأبيض لم يعد مستقلًا بالمعنى الكامل ، ولا يراعي حتى مصالح الحلفاء الأوروبيين الذين تكبدوا خسائر اقتصادية ضخمة بسبب الحرب ، وارتفاع أسعار النفط ، وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز ، إلا أن الأخطر في حديثه تمثل في تفسيره لأسباب الحرب على إيران ، حيث اعتبر أن جزءًا من الدوافع يرتبط بتحريك مؤشرات البورصات العالمية بما يخدم مصالح شركات محددة في الولايات المتحدة ومناطق أخرى ، كما أشار إلى أن البنتاغون يواجه آلاف الإصابات بين جنوده ، بينها مئات الحالات التىّ ستتحول إلى إعاقات دائمة ، مؤكدًا أن الكارثة الحقيقية ستكون في حال دفع الجيش الأمريكي إلى حرب برية مباشرة مع إيران ، لأنها ستكون ، بحسب وصفه ، مقبرة استراتيجية للجيش الأمريكي ، في مواجهة طال انتظارها من الجانب الإيراني ، الذي استعد لها منذ سنوات طويلة.
إن إسقاط مقاتلات من طراز F-35، أو اختراق المنظومات الدفاعية المرتبطة بها ، فضلًا عن إصابة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن ، كلها مؤشرات على أن الحرب لم تعد تُدار وفق الحسابات التقليدية ، وأن الهيبة العسكرية الأمريكية التىّ أرعبت العالم لعقود بدأت تتعرض لتآكل تدريجي ، وهو ما منح إيران فرصة ذهبية لتوسيع صناعاتها العسكرية وتعزيز استقلالها الاستراتيجي ، وما يجري بين واشنطن وطهران على طاولة المفاوضات في باكستان ، يكاد ينطبق حرفيًا على ما يجري بين بيروت وتل أبيب برعاية أمريكية ، فعلى الأرض ، تعلن الولايات المتحدة فتح مضيق هرمز ، بينما تُحتجز سفن شحن إيرانية ، فيرد الحرس الثوري بإغلاق المضيق وسحب السفن الاجنبية إلى موانئه ، وفي الوقت نفسه ، تُعلن واشنطن عن جولات تفاوض جديدة ، بينما ترفض طهران في اللحظة الأخيرة إرسال وفدها .
فالمشهد ذاته يتكرر في لبنان؛ فالرئاسة والحكومة تتحدثان عن مفاوضات مع تل أبيب ، بينما تستمر المقاومة في الاشتباك مع جيش الاحتلال ، وترى أن التفاوض في ظل الاحتلال التوسعي ليس سوى مضيعة للوقت ، وهذا يعكس حقيقة أن القرار السياسي والعسكري لم يعد يُدار من غرفة واحدة ، سواء في واشنطن أو طهران أو بيروت ، أما الحديث عن الخلافات داخل الإدارة الأمريكية ، وعن مطالبات بعض أعضاء الكونغرس بعزل الرئيس دونالد ترمب ، والجدل المرتبط بطلبه الوصول إلى شيفرات السلاح النووي ، فيعزز الانطباع بأن المؤسسة العسكرية الأمريكية باتت أكثر استقلالًا عن القرار السياسي المباشر ، وأن غرف العمليات تُدار فعليًا من قبل الجنرالات أكثر مما تُدار من البيت الأبيض.
وفي مثل هذه الظروف ، تصبح الدبلوماسية امتدادًا للحرب بوسائل أخرى ، لا بديلًا عنها ، فالهدنة ليست دائمًا نهاية القتال ، بل قد تكون مجرد إعادة تصميم للمواجهة بشكل مختلف ، خصوصًا حين تكون بنود التفاوض الحقيقية محصورة بين خيارين : الاستسلام أو إعادة التموضع ، وعلى الرغم من هدنة وقف إطلاق النار بين المقاومة اللبنانية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، واصلت إسرائيل استهداف مواقع حزب الله، ثم برر الرئيس ترمب ذلك بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ، شرط عدم توسيع دائرة النار ، وبعد أيام فقط ، عاد البيت الأبيض للحديث عن دعم واسع للبنان وشعبه وحكومته ، وهي التعهدات ذاتها التىّ قُدمت سابقًا للفلسطينيين ، قبل أن يتحول الواقع الفلسطيني إلى مشهد كارثي .
لقد أنهت حكومة نتنياهو المتطرفة فعليًا اتفاق أوسلو ، وفرضت عقوبات مالية واقتصادية على السلطة الفلسطينية ، وتحولت الضفة الغربية إلى جغرافيا مفتوحة للمستوطنات ، فيما تراجع الحديث عن الدولة الفلسطينية إلى الحد الأدنى ، وبات سقف التفاوض يدور حول بقاء السلطة نفسها لا حول التحرر الوطني ، وهنا تكمن المفارقة الكبرى : الجميع يفاوض على سلاح حزب الله ، لكن لا أحد يفاوض على فلسطين ، ولا على استقلال القرار العربي ، ولا على إنهاء الاحتلال ، فالقوى اللبنانية تتحدث عن العودة إلى هدنة عام 1948، بينما يتحدث نتنياهو وترمب عن سلام شامل ودائم،والسؤال الحقيقي ليس: هل نتحدث مع الإسرائيليين؟ بل: ماذا نريد من هذا الحديث؟ ومن يضمن التزام إسرائيل بأي اتفاق ، في ظل سجل طويل من نقض العهود والاتفاقيات؟
لقد فاوض العرب الإسرائيليين منذ عام 1948، ولم يستعيدوا فلسطين ، بل تحولت المعادلة إلى احتلال أراضٍ عربية ثم التفاوض عليها مقابل اتفاقات سلام ، وكأن الاحتلال يصبح أداة تفاوض لا جريمة سياسية وتاريخية ، وبالتالي ، على اللبنانيين أن يدركوا مسألة جوهرية تتجاوز الانقسام الداخلي ، فإذا كان النظام السوري السابق قد تراجع ، وإذا كان النفوذ الإيراني قد تغير شكله في لبنان ، فإن ذلك لا يعني أن القرار اللبناني أصبح مستقلًا بالكامل أو انه يسكن في كوكب آخر، فتركيا ، على سبيل المثال، تنظر إلى لبنان باعتباره امتدادًا جيوسياسيًا لسوريا ، أي جزءًا من توازن إقليمي أوسع لا يمكن عزله عن محيطه .
ومن هنا، فإن أقصى ما يمكن تصوره إقليميًا هو اتفاق أمني مشابه للنموذج السوري ، لا اتفاق سياسي شامل يتجاوز المبادرة العربية التىّ طرحتها السعودية ، أما القفز فوق هذه المعادلات نحو أوهام سلام منفصل وشامل ، فهو رهان غير واقعي ، وتقدير سياسي يفتقر إلى قراءة موازين القوة الحقيقية .
إن السلام لا يُبنى على تجاهل الحقوق ، ولا على دفن القضايا الكبرى تحت ركام التسويات المؤقتة ، ومن لا يقرأ التاريخ جيدًا ، سيجد نفسه مضطرًا إلى العيش داخل أخطائه مرة أخرى … والسلام 🙋‍♂️
 

بين أوهام السلام وحقائق الصراع…” comment for

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *