من استقلال سوريا الى الاستقلال عن سوريا …
ما بيطار , جورج بنا :
في يوم ١٧ نيسان استقلت سوريا , وكان لهذا اليوم لونه المشرق في سنوات الاستقلال الأولى أي سنوات “القشرة ” الفرنسية , أما اليوم فقد تبخر الاشراق وحل محله الشعور بخيبة الأمل , الذي تمظهر بالحنين عند الكثيرين للانتداب الفرنسي, لأن الارتماء في حض مستعمر متوحش داخلي تفوق في استبداده وجهله وحقارته وتخريبه للبلاد حتى على الاستعمارالعثماني وعلى استعمار العهدة العمرية القريشي للبلاد واستغلالها واستنزافها والعبث في هويتها وقهرها وسوء ادارتها .
حتى مناسبة الاستقلال التي اعتبرت “جليلة” ,وظفت من قبل الاستعمار الداخلي الأسدي ومن بعده الجولاني الأسوء ومن قبلهم الناصري , في خدمة الأشكال الاستعمارية الداخلية التي استغلت مفهوم الاستقلال ,كل انواع الاستعمار الداخلي اعتبرت يوم ١٧ نيسان يوم استقلال سوريا الأول , وكلمة الأول توحي بوجود الثالني أو الثالث أو الرابع ..الخ , وفعلا تحولت سوريا بعد رحيل فرنسا الى مستعمرة قبيحة كان اول شكل لها تسليم سوريا الى عبد الناصر عام ١٩٥٨ ,الذي حدث بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية بعد عام ١٩٤٨ , أما الاستقلال الثاني حسب مفاهيم البعث فقد اتى عام ١٩٦١, أي ان انفصال سوريا عن مصر أصبح بنظر البعث الذي تأسد لاحقا يوم استقلال , والاستقلالات لم تتوقف حسب ادعاء الصحفي الأسدي نبيل صالح, الذي قفز فوق جثة حافظ الأسد, ولم يربط اسم حافظ الأسد بأي استقلال , فحافظ الأسد بقي حاكما على الأقل حتى وبعد عام ٢٠٠٠ ,انتقل مكتبه الرئاسي في القصر الى مكتبه الرئاسي في القبر , مهمة حافظ الأسد في القصر وفي القبر كانت صناعة الانتصارات , مثل انتصار عام ١٩٦٧ على اسرائيل , لأن اسرائيل لم تتمكن من تحقيق أهدافها التي تمثلت باسقاط النظام المهووس بالتقدمية , أي أن تقدم اسرائيل في الجولان واحتلالها له لم تكن له قيمة تذكر مقارنة مع بقاء الأسد على الكرسي التقدمي , الذي انقذ سوريا واكد استقلالها الثاني عام ١٩٧٠ , من ضمن تكريس استقلال سوريا كان الانتصار على اسرائيل في حرب١٩٧٣ , ثم الحركة التصحيحية التي سبقتها, كل ذلك والمزيد أيضا كان خدمة وتكريسا لاستقلال سوريا !.
تعامل المهرج نبيل صالح مع الاستقلالات بدون أفراط أو تفريط, ونيته المبيتة اتضحت مؤخرا , لقد أراد الأسدي حجز الاستقلال الثالث والنهائي للدكتور بشار الأسد , الذي باشر فورا ببناء سوريا , وليس كما يقول المغرضون ..تدميرها !, فالاستقلال الثالث وقبل الأخير كان على يد مقدرة ابدية ذات ملامح الهية ,اختصرت بعبارة الأسد الى الأبد, فالأسد الصغير كان عملاقا سياسيا ,تم ترشيحه من قبل عضو في مجلس الشعب الموقر لرئاسة العالم , رجل صنع التاريخ في كل خطبة قرأها متلعثما بعد ان كتبتها له بثينة شعبان, كيف صنعت هذه الخطب التاريخ اي تاريخ المعمورة ؟ , كان ذلك بالانتصار على الكون وعلى المؤامرة الكونية التي وقفت ورائها كل دول الكون الكبرى والصغرى, تواضعا اقتصر اهتمام الأسد بالرغم من اهليته لرئاسة العالم على المال خاصة على سجن صيدنايا.
التعرف على مزاج السوريين حيال يوم ١٧-٤-١٩٤٦مختلف , منهم من يعتبر هذا اليوم أبيض ومنهم من يعتبره أسود , والسواد يطغى بتزايد ملحوظ , وبعضم يقول لعن الله هذا اليوم المشؤوم , لقد كان على فرنسا أن تبقى مئة عام أخرى , الا أن الوضع تغير يوم ١٠-٦-من عام ٢٠٠٠ حين اعتلى بشار الأسد سدة الولاية في سوريا , هنا لانجد أي تباين بين المزاجات السورية التي عبر عنها الاستفتاء الذي أظهر بوضوح لايقبل أي شك بنظافتة الاجرائية , بين هذا الاستفتاء أن ٩٩٪ من الشعب السوري اراد ولايته والى الأبد ,بايعوه واعتبروه , حسب ما أورده نبيل صالح, رجل الاستقلال الثالث والأخير ..انسوا ياناس يوم ١٧-٤ الأسود واحتفلول بيوم ١٠- ٦ الأبيض !! الذي قال بخصوصه الشاعر احمد النعيمي:
اله لسان مدع !
يصول في شوارع الشام كسيف عنترة
يكاد يلتف على الجولان والقنيطرة
مقاوم لم يرفع السلاح
لم يرسل إلى جولانه دبابة أو طائرة
لم يطلقِ النار على العدو
لكن حينما تكلم الشعب
صحا من نومه
و صاح في رجاله..
مؤامرة !
مؤامرة !
أعلن الحرب على الشعب
و كان رده على الكلامِ..
مجزرة
مقاوم يفهم في الطب كما يفهم في السياسة
استقال مِن عيادة العيون
كي يعمل في ” عيادة الرئاسة ”
شرح الشعب..
و باعَ لحمه وعظمه
و قدم اعتذاره لشعبه ببالغ الكياسة
عذرا لكم..
يا أيها الشعب
الذي جعلت من عظامه مداسا
عذرا لكم..
يا أيها الشعب
الذي سرقته في نوبة الحراسة
عذراً لكم..
يا أيها الشعب الذي طعنته في ظهره
في نوبة الحراسة
عذراً..
فان كنت أنا ” الدكتورَ ” في الدراسة
فإنني القصاب و السفاح ..
و القاتل بالوراثة !
دكتورنا ” الفهمان ”
يستعمل الساطور في جراحة اللسان
من قال : ” لا ” من شعبه
في غفلة عن أعين الزمان
يرحمه الرحمن
بلاده سجن..
و كل شعبه إما سجين عنده
أو أنه سجان
بلاده مقبرة..
أشجارها لا تلبس الأخضر
لكنْ تلبس السواد و الأكفان
حزنا على الإنسان
أحاكم لدولة..
من يطلق النار على الشعب الذي يحكمه
أم أنه قرصان ؟
لا تبك يا سورية
لا تعلني الحداد
فوق حسد الضحية
لا تلثمي الجرح
و لا تنتزعي الشظية
القطرة الأولى من الدم الذي نزفته
ستحسم القضية…
غير الجولاني موضوع الاستقلال بشكل جذري , اي من استقلال سوريا الى الاستقلال عن سوريا , أي الغاء سوريا , التي استقلت عدة مرات ولم تكن هناك فائدة من استقلالاتها , لذلك قال من على منبر الجامع الأموي في الذكرى الأولى لثورته المجيدة “نهنئ الأمة الاسلامية بهذا النصر العظيم “ولم يقل نهنئ الشعب السوري , لأنه لايعترف أصلا بوجود شعب سوري انما فصيل اسلامي تيموي , ثم امر الشعب الاسلامي في سوريا بطاعته مقلدا ابو بكر الصديق الذي خطب قائلا “أطيعوني ما أطعت الله بكم ” لايستطيع الجولاني تهنئة الشعب السوري بالاستقلال الأول عام ١٩٤٦ ولا بما تلى هذا الاستقلال من العديد من الاستقلالات الوهمية , كما أنه لايرى اي ضرورة لاستقلال سوريا كدولة لايعترف بها أصلا, حتى انه لايعترف بمفهوم الدولة , انه اممي اسلامي كالاخونجية , الذي أمر من قبل من اتوا بالحرب عليهم , وهو يحاربهم ليس من باب التناقض انما من باب المنافسة معهم , والتاريخ يعرف حروب المنافسة بين الأشباه أكثر من معرفته بحروب الأضداد, ومن التاريخ نعلم ايضا أن حروب المتنافسين تنتهي عادة بالقضاء عليهم , أي ان نتيجة حروب المتنافسين شبيهة بالحروب الأهلية , التي تقضي على الجميع اما نهائيا او مرحليا.
لاتختلف الجولانية عن الخمينية سوى باللقب او الاسم وكذلك , كما هو متوقع , بالعمر , اي انه ليس من المتوقع ان تعمر الجولانية نصف قرن كما عمرت الاسدية والخمينية , لقد ايقن العالم انه لاجدوى من تلك التجارب كالأسدية والخمينية والجولانية , لقد انتهت الأسدية بالرغم كونها أفضل من الجولانية وأفضل من الخمينية, لذلك سنرى ترحيل الجولانية مباشرة بعد الانتهاء من ترحيل الخمينية , تطبيقا لما اعلن عن العزم على القضاء على الشيعية السياسية وعلى السنية السياسية التي وصفت “بالصاعدة ” المقصود بالدرجة الأولى كانت تركيا اردوغان وليس سوريا والجولاني , لايتطلب ترحيل الجولانية جهدا كبيرا , فالجولانية أشبه بالذبابة مقارن مع الذئب الاردوغاني !!!
Post Views: 3