ملاحظات سورية قومية اجتماعية حول الدولة …..
م. بيطار ,روبا منصور :
الى جانب العلمانية وفصل الدين عن الدولة كان انطون سعادة رائدا في تعريف القومية ونفي علاقة القومية باللغة اذ أن اللغة ليست مكونا جوهريا من مكونات القومية ,والجماعات التي تتكلم لغة واحدة لاتمثل بالضرورة امة او شعبا او مجتمعا واحدا ,وعدم استعمال لغة واحدة لاينفي وجود مجتمع الدولة الواحد مثلا دولة بلجيكا ودولة سويسرا متعددة اللغات ثم دولة روسيا والعديد غيرهم من الدول , فبعض الجرائد في روسيا تطبع بحوالي 50 لغة , من البديهي ان تكون للانسان لغة ولا شرط ان تكون لغة كل المواطنين واحدة, تميل الأمة الواحدة الى استخدام لغة واحدة ولكن اللغة الواحدة لاتقود الى نشوء الأمم ,كما انه لا شرط ان ينتمي الجميع الى دين واحد ولا علاقة للانتماء السياسي بالانتماء الديني فالحياة الاجتماعية – السياسية اقدم بآلاف السنين من الأديان ..!
اهتم سعادة بالموضوع القومي وانطلق مما سماه المبدأ العلمي في الموقف القومي, أي تجريد الموقف القومي من ما لصق به من اعتبارات تتوضع خارج الأرض , الأرض هي الاساس والحياة على الارض هي الاساس ولا علاقة للحياة على الأرض بالاجناس اي بالعنصر والعنصرية, اي لاوجود مثلا لخير امة ولا يوجد برهان علمي على وجود خير امة عربية او انكليزية او آرية الخ , اهتم سعادة بنفي وجود “الخلق المستقل ” اذ أن كل الانواع الحية من نباتات وحيوانات وبشر متصلة اتصالا وثيقا مع بعضها البعض , وتتطور بأشكال مختلفة مما ينفي الخلق المستقل , البشر هم من خلقوا الله بافتراض وجوده , وليس الله هو من خلق البشر .
شدد سعادة على خطورة الفكر الديني ولم يجد اشد خطورة منه ومنافسا له سوى عقيدة “السلالة” , أي العنصرية, يعود خطر السلالة وخطر الدين الى المقدس , فكلاهما مقدس او أشبه بالمقدس , وجود المقدس يعني وجود المدنس , مما يحول الاختلاف بين المقدس والمدنس الى خلاف, وبالتالي الى حروب, هناك من ينافس خير امة ابن عبد الله على لقب خير أمة , ولا يقبل بتصنيف هذه الأمة لنفسها على أنها خير أمة ,ثم أن خير أمة سمحت لنفسها بتوصيف الأمم والأقوام الأخرى باسم ” العلوج ” ,العلوج اقوام وأمم اعتبرت من مستوى ادنى من مستوى امة ابن عبد الله , لذلك كان الخصام حتميا والحروب المسماة مقدسة حتمية .
تعرفنا على مصطلح “العلوج ” من وزير الاعلام الصدامي الحسيني في سياق حرب العراق , والوزيركان محمد سعيد الصحاف , الذي لم يحاكم بعد القضاء على نظام صدام , انما وضعه مستخدموه من العلوج في مكان آمن , اي أنه كان أصلا من العلوج وتقلد مناصب عالية ولمدد طويلة كوزيرا للخارجية والاعلام وسفيرا فوق العادة في عدة دول , يقال ايضا انه بطلب من الشيخ زايد اقلت طائرة خاصة الصحاف وعائلته الى ابوظبي , لم يحاكم بعد سقوط صدام وعاش عيشة الملوك الى ان توفي عن عمر ٧٤ عاما في ابو ظبي.
انطلق انطون سعادة من أن العلوم الطبيعية على اختلافاتها اثبتت بأن الحياة اقدم بملايين السنين من الطرح والتعريف الديني لها , ثم أنه لاوجود لكائنات “تخلق”من العدم او من حفنة تراب, الأنواع المختلفة من حيوانات ونباتات متصلة اتصالا وثيقا مع بعضها البعض في تطور قاد الى ظهور انواعا جديدة من هذه الكائنات , أي لاوجود ” للخلق” المستقل, وداروين قدم شرحا علميا لذلك.
الدين والأفكار الدينية كانوا أشد المعارضين لمفاهيم التطور ,والدين الأممي بطبيعته كان من اشد المعارضين للفكر القومي وللدولة او الأوطان , المحددة بحدود جغرافية واجتماعية وليس عرقية وسلالية , فالعرق السلالي يفتح الباب على مصراعيه للممارسات العنصرية , ومنها تطبيقات فرضية خير أمة الممثلة للطريقة الفعالة لممارسة الانتحار الحضاري الجماعي , باعتقاد المحمديون انهم خير امة حصروا انفسهم في العزلة الدولية, كما انهم فقدوا الحياء من الاستجداء , اذ أن ماتقدمة المؤسسات الاجتماعية في اوروبا لمساعدة اللاجئين يمثل حسب رأي العديد من المحمدين نوعا من ” الجزية “التي يفرضها ويبررها منطق التفوق الديني ,وهل يتساوى المؤمن مع الكافر !!!.
نتيجة لكل ذلك فقد الاعراب الحافز على العمل وارتموا في احضان الوهم الذي مثلته فرضيات من نوع توهمات الاردني الاخونجي محمد القضاة , الذي أجلس امة ابن عبد الله على منصة ” الهداية ” , التي ليست بحاجة الى العمل , فالغير يعمل في المعامل ويصنع القطارات والطائرات والسيارات التي تحتاجها امة ابن عبد الله , اعلن السيد القضاة ان خير أمة لم تخلق للعمل انما فقط للهداية , وبهذا التقسيم اي امة الهداية وأمم العمل يعمر الكون حسب رأيه .
لم تكن هناك أصول لفكرة الأمة العربية خارج الجزيرة العربية, ولا تمثل اللغة والدين اي أصول ثابتة لبناء دولة على اساس ماتسمى القومية العربية , لذلك فشل القوميون العرب في تحقيق اي وحدة , وتجحوا في تكريس الانشقاقات بين مشاريع الدول بعد عشرينات القرن الماضي , لابل قادت التوحيدات الهجينة الغوغائية الاعتباطية مثل الوحدة السورية – المصرية الى الوأد الكلي لفكرة الوحدة بعد الانفصال عام ١٩٦١, أي أن دور الدين واللغة في تعريف مجموعة بأنها أمة واحدة ضعيف وهش , والتجربة السورية – المصرية مثلت نوعا من انتحار فكرة التوحيد العربي , وهل هناك اليوم من يتحدث عن وحدة الدول العربية كما أرادها الفكر القومي العربي؟.
لم تكن المنطقة بين المحيط والخليج قطرا واحدا انما مجموعة من الأقطار المحتلة قبل محتل واحد,والأمر ينطبق على الحالة البريطانية ومستعمراتها ,التي لاتمثل دولة او امة واحدة , لأنها لاتملك شخصية اجتماعية ونفسية ثم تاريخا واحدا , لم يكن العالم بين المحيط والخليج قطرا واحد وبيئة واحدة ومجتمعا واحدا, لذلك لم تكن له شخصية ونفسية واحدةومصالح واحدة ,بالتالي لا يمكن أن تكون له قومية واحدة ومطالب واحدة ونظرة واحدة إلى الحياة ,لذا فان تسمية شعوب هذه المنطقة امة عربية كان من باب إطلاق الأسماء على خلاف مدلولاتها ومعانيها.
لقد كانت العروبة تجسيدا لحلم دولة دينية محمدية محدودة كبديل عن الدولة الدينية المحمدية المطلقة التي حلم بها أصحاب العقول المعطوبة, الذين يتحدثون عن الأمة الاسلامية , التي لاوجود لها كما انه لاوجود لأمة مسيحية او يهودية او بوذية الخ , لقد مثلت ما تسمى الأمة العربية وما تسمى الأمة الاسلامية نماذج هرائية تميزت بالشقاق والعداء بين العديد من الأقطار , التي كان لها التعامل مع بعضها البعض تعاونيا سلميا لصالح البشرية بشكل عام ,لقد أساءت هذه الدول لنفسها بالدرجة الأولى , وحلت بها النكبات والكوارث مثل الفقر والتبعية والأهم من كل ذلك فشلت في اقامة دولا في عصر لايعرف أكثر من منظومات الدول المدنية!.
Post Views: 3