الوحدة الوطنية في الاختلاف …..
خلفية الدعوات اليتيمة لتوحيد الصفوف ونبذ الاختلافات والتهديد بالفتنة مثيرة للتعجب , اذ لاوجود لشبيه لذلك في المجتمعات التي تقدمت وحلت مشاكلها وأزماتها بنجاح ,التقدم هو ترجمة لتجاوز المحن والأزمات وايجاد الحلول لها , استطاعت المجتمعات المتقدمة حل مشاكلها حصرا بالاختلاف الخلاق والمقتدر على ابتكار أفضل الحلول لأعظم المشاكل ,عدم المقدرة على الحوار والتفاعل المنتج في اطار الاختلاف , كان المحفز للمطالبة بالغاء الاختلاف لتحقيق الوحدة الوطنية ! , أي التجانس كما يتصوره الفكر الديني التوحيدي , الذي لم ينجح يوما ما في اقامة دولة مدنية , الدولة ” مدنية ” بتعريفها وطبيعتها , وعندما تريد أن تكون دينية تلغي نفسها!.
الاختلاف هو من طبيعة الانسان , تحول الاختلاف الى خلاف, يعود الى قصور في التعامل والتفاعل (الحوار والنقاش) مع الغير , ثم الفشل في الاستفادة من ايجابيات الاختلاف الخلاق ,وفي الاعتماد على الموقف الواحد والرأي الواحد والاتجاه الواحد القاصر والخاطئ ثم المنتح للديكتاتوريات , لم تؤسس الديكتاتورية لدول , انما لسلطات كانت دائما مؤقتة ومؤخرة .
الوحدة الوطنية ليست تجانسا عقيما يقوم على مايجمع الناس فحسب , انما على مايميزهم عن بعضهم البعض ,تمايز الناس اي اختلافهم عن بعضهم البعض هو وحدة في الاختلاف وليس مصدرا للخلاف , يتحول الاختلاف الى خلاف في غياب ثقافة عدم الاعتراف بالآخر , الغاء الاختلاف لتحقيق مايفهمه البعض من الوحدة الوطنية ليس سوى ترجمة لالغاء الآخر أو التنمر عليه , هل هناك من فائدة في الغاء الآخر من البشر ؟؟وهل هناك وحدة وطنية في التنمر ؟؟ , عندما يتعلم الناس اساليب الحوار الصحيحة والتفاعل المنتج مع الغير في اطار الاختلاف تتحقق الوحدة الوطنية , التي تعني الفائدة والتقدم للجميع .
يمثل مفهوم الوحدة الوطنية الطوباوي بالشكل الذي يروج البعض له , بازارا للاستغلال والاحتيال والتقزيم والتشويه والتكاذب , ثم الانتحال والمزايدة والنفاق , ومصدرا أساسيا لممارسة الالغاء والاقصاء, فمن أجل وهم الوحدة الوطنية الضبابية كانت هناك ممارسات لاعلاقة لها بخير البلاد , لقد تم عن طريق هذه الدعوة التأسيس الى حالة ” القطيع “, فالقطيع الموحد والمتحد شكلا ليس سوى ترجمة للديكتاتورية والشمولية وفقاسة لانتاج نفاق نتائج رائعة لاستفتاء أو انتخاب من نوع ٩٩,٩٩٪ لصالح مخلوق واحد , اعلان نتائج من هذا النوع كان بمثابة اعتراف بوجود حالة اجتماعية -سياسية متردية كاذبة ,الاعتزاز بنتائج من هذا النوع كان ترجمة للمقصد المريض من مايعتبره البعض وحدة وطنية مطلقة بين البشر , لاوجود لاستقطاب حقيقي من هذا النوع في المجتمعات البشرية , ونشك بوجوده حتى بين حيوانات البرية أي القطيع , هل يمثل القطيع وحدة وطنية ؟؟؟ .
تتوافق نفسية وعقلية المروجين للوحدة الوطنية بمفهومها البدائي المحلي مع الرقمية المروعة لنسبة تأييد ٩٩,٩٩٪ من الشعب العظيم للقائد العظيم ,الوحدة الوطنية كما يفهموها ليست سوى قناع او حجاب او نقاب للتستر على التشتت والغربة وممارسة اقصاء والغاء الآخر , انها وسيلة لشرعنة القمع ,ولتبرير الاستعباد والاستبداد , يراد من نسب ملفقة من النوع الذي ذكر ان تكون برهانا عن وحدة وطنية ليست بالوحدة وليست بالوطنية , يراد من هذه النسبة ان تكون غطاءا أو شرعنة لممارسة الظلم والفساد والاستبداد , من يدعي امتلاك ذلك التأييد يملك مطلق التفويض للقيام بما يريد بدون حساب أو رقيب , أي أنه اقرب الى الحيوان من كونه انسان!.
الا يجدر التساؤل عن السر في تمكن الدول الراقيىة المتقدمة من حل مشاكلها بنجاح وبوجود ثنائية الحكومة -المعارضة , الذي تمثل تبعا لمعايير الوحدة الوطنية المروج لها محليا حالة انعدام الوحدة الوطنية بمفهومها المنتج الراقي , المحلي الغيبي المؤسس على خلفية “التوحيد ”والتجانس المؤسس على الغيبية والعصبية الدينية , المشكوك بصلاحيته في التاريخ البشري ,خاصة في هذا العصر .
الداعية الوطنية الفذة , والمنظرة لعبقرية اكتشاف دواء توحيد الصفوف , وشحذ الهمم لانقاذ الوطن , والمطمئن لفاعلية تقليعة الدعوة للوحدة الوطنية الباهتة التلفيقية , والى توحيد الصفوف والجهود من أجل انقاذ البلاد , هو الانسان الببغائي العقيم, الذي يعطي نصائح ليست من أجل ترقية الوطن , انما من أجل الترقية الذاتية الى مصاف اثرياء الفساد في البلاد وبالتالي افقار الوطن , النقد الممثل لوجود رأيا آخر هو وحدة وطنية بامتياز , فالنقد هو اساس الترقي والتقدم , وهل الترقي والتقدم مضادا للوحدة الوطنية !, التي تعني ليس فقط أن يشبع الجميع خبزا أي ثقافة المعلف ,اذ ليس بالخبز وحده يحيى الانسان , انما بالمساواة بين الجميع امام القانون بالحقوق والواجبات ,المساواة ضمانه لتوفر الخبز والسعادة والأمن للجميع , من يرفض النقد ويمارس المديح والتبجح الكاذب ليس الا داعية تأخر وانحطاط .
أول نتائج الوحدة الوطنية بمفهومها المحلي , كانت الغاء أو تقزيم مفهوم المعارضة السياسية , التي الغيت لكونها تعارض أي تخون حسب رأي جماعة التجانس ومفهوم التوحيد الديني ,الذي لايصلح للسياسة ولا يصلح حتى للدين , لا وحدة وطنية مثلا في مفهوم التعريب حيث على الجميع ان يكونوا عربا , لا وحدة وطنية مع مفهوم الغلبة الغالبة , ولا وحدة وطنية في نظام الملل الخاص بالأحوال الشخصية , لاوحدة وطنية في اسر تعدد الزوجات المريضة , والأسر المريضة تنتج مجتمعا مريضا ,لاوحدة وطنية في نصفية شهادة المرأة اللاغية للمساواة ,ثم في اعتبارالمرأة ناقصة عقل ودين الخ !, العرب من أكثر شعوب الدنيا حديثا عن الوحدة , ومن أكثر شعوب الدنيا شقاقا ونفاقا , من أكثر شعوب العالم حديثا وتفاخرا بالوطنية ,ومن أقل شعوب العالم وعيا بالمواطنة والوطن .
لا تتطلب وحدة الموقف ووحدة الرأي التي يتصورها بعض المعاقين عقليا أي تفاعل أو نقاش أو نقد , بل فرض الرأي في اطار القسر وهيمنة جهة على جهة أخرى , حالة تفرز التأزم وبالتالي نوعا من التناقض الوجودي الذي قد يتطور الى حرب كما كان حال العرب تاريخيا , يطالب الاخونجية بوحدة الرأي والموقف , ويقصدون عمليا تموضع الجميع تحت مظلتهم الفكرية وارادتهم وادارتهم , وبذلك تتحقق شروط الوحدة الوطنية بالايمان اخونجيا!!! ,أي نشر الأفغنة !!
Post Views: 8