على الرغم من أن منشأ قيمة “الوطنية” ليس محلي , الا أن التداول اللفظي لهذه القيمة كان ولايزال على أشده في هذه المنطقة , الأمرمشابه للديموقراطية , التي برعت العقلية البدوية في التلفظ بها وتأكيد ضروراتها ,من ناحية أخرى برعت هذه البدوية في محاربتها والامتناع عن ممارسة تطبيقاتها , ففي أوروبا نادرا مايتكلم المواطن عن الوطنية أو القومية , ومن يتحدث عن الوطنية بالأسلوب البدوي المحلي يجعل من نفسه مضحكة , ذلك لأن الكلام عن وطنية فلان مقرون دائما بالشك في وطنية آخر , ففي أوروبا لاوجود لمن هو لا وطني أو خائن , حتى لو كان معارضا لمشاريع وتصرفات الحكومة ,المبالغة في استخدام مفردة “الوطنية ” ملازم للمبالغة في استخدام مفردة “الخيانة” , لاتعرف المجتمعات الأخرى ذلك الاستخدام المكثف لمفوم الخيانة , أما في هذه المنطقة فتستعمل هذه الكلمة مئات الألوف من المرات يوميا , فمن له رأي آخر هو خائن هكذا بكل بساطة وتلقائية , عمليا شذ المعنى المتداول لهذه الكلمة عن المعنى الحقيقي ,وأصبح في سياق افلاس القيم عبارة عن مفردة لكيل المدح والقدح ,اي بوابة تدخل منها مفردات أخرى مثل “الوطني” او “الخائن” .
تختلف مضامين ومعايير الوطنية من دولة لأخرى , وفي الدولة نفسها من فئة لأخرى, وعلى مستوى الوعي الفردي والجماعي يختلف معنى هذه المفردة أيضا , التباين أو الاختلاف كان على أشده بين الديموقراطيات والديكتاتوريات , وبين المشيخات والجمهوريات ثم بين القبيلة والدولة , ففي المشيخة مثلا يتقزم هذا التعبير ليأخذ شكلا فقهيا لايتجذر به مفهوم الوطنية بشكله ألأوروبي الحديث ,يهيمن في هذه المنطقة مفهوم الأمة ذو الخلفية الدينية , بينما مفهوم الوطن ضامر ومتقزم واقعيا ,وذلك بالرغم من ان الجماعات الدينية تعيش في أوطان محددة جغرافيا وشعبيا ومعترف بهاكدولة أو وطن عالميا , هؤلاء يشعرون بانتمائهم الى “أمة”عابرة للحدود أكثر من انتمائهم الى “وطن”بحدود , يستقيم ذلك بشكل عام مع النظرة الفقهية القائلة بأن الوطن وثن .
يتعلق مفهوم الوطنية في الغرب الديموقراطي , أولا بموضوع الأرض وما عليها , اذ ان الهدف من الممارسة الوطنية هو رخاء وازدهار وتقدم الأرض والمجتمع الذي يسكنها , أما في الشرق المشخصن الديكتاتوري فقد تم تهجين مفهوم “الوطنية ” لكي ينسجم مع “الشخص” السلطوي وأهدافه ونزواته ,الذي ألغي ملكية الأرض لمن عليها , وأصبح هو المالك للأرض وما عليها ,تتمحور كل مصلحة حول ذات الشخص وذواته ونزواته وزبانيته , وبالتالي كان لقيمة الوطنية أن” تتأدب وتتدرب” على الوضع الجديد وتتناسب مع الشخص أي شخصنة الدولة .
ينتشر التحوير والتزييف وبائيا في هذه المنطقة , وأهم تحوير كان تحول فاعلية مفهوم الوطنية في الوعي الفاعل للشعب البدائي , ليغدو مفهوما فاعلا للتفرقة الوطنية وقاتلا للوحدة الوطنية بشكل غير مباشر ,ذلك لأن تكاثر استخدام هذه المفردة في تعريف مواطن ما , مقرون بتكاثر استخدام مفردة “خائن” في تعريف مواطن آخر , ومن هنا يأتي “محصول” التفرقة الوطنية لهذا الاستعمال , هنا تكمن الكارثة التي تقضي على الثقة بين فئات المجتمع , وتقضي أيضا على المساواة وتكرس الديكتاتورية , بل هي ضرورة من ضرورات الديكتاتورية , التي تعتمد على الاقصاء والاستقطاب والفردية ,لا يمكن للديكتاتورية أن تبرر وجودها الا عن طريق تأكيد خيانة فئة ومواطنية فئة أخرى , والفئة “الوطنية” التي يمثلها الديكتاتور هي الفئة التي تحتكر الحكم لأنها وطنية , أما الفئة الأخرى فهي فئة الخيانة , التي ينعم عليها الديكتاتور في أحسن الحالات, بالسجن الملطف والتعذيب المخفف او حتى الموت تحت التعذيب , أي أنه يحاول تأديبها وتدريبها لكي تصبح “وطنية ” وتنضم الى قطيعه!.
مع كل مشكلة تواجهها الدولة ومع كل فشل للسلطة في ادارة شؤون البلاد يتكرر الحديث عن المؤامرة , التي تصنف الشعب الى نوعين ,النوع الوطني والنوع الخائن المتآمر , تصنيف يلغي امكانية الحوار بين تلك الأنواع, هذا الالغاء هو هدف أساسي لأي سلطة ديكتاتورية , فالسلطة الديكتاتورية لاتحب الحوار وتبادل الأفكار , لأنه لافكر عندها !, وما تملكه من وسائل القمع تستخدمه مثل السجن وملحقاته مثل السوط والساطور , الذي ينهال على رقاب البشر تحت الأهازيج والأناشيد والشعارات الرنانة الطنانة , التي تمجد القائد وتتغنى بالوطنية , ثم يأتي دور الزبانية لتوزيع شهادات الوطنية على البشر , من هو ليس وطني حسب تقييم الزبانية يؤول الى الاعتقال والتعذيب , حيث تدور بعد ذلك مكنة التواسط ودفع البراطيل لاطلاق سبيل المنكوب, كل ذلك باسم وبرسم الوطنية وباسم وبرسم رديفها اي الخيانة , كل ذلك كان من مصلحة الديكتاتورية , التي تفرق طائفيا وعرقيا وانتماء وتقسم البشر الى وطني وخائن لتسد وتهيمن .
يتناسب ارتفاع مستوى التشديد على “الوطنية” طردا مع زيادة الحاجة الى الدجل ,خاصة عند حدوث اشكاليات لاتقوى الديكتاتوريات على حلها ,في حالة الفشل يصل انتاج الشعارات اعلاه , والعمل بهذه الشعارات يبلغ أدناه , يتكاثر منظروا الوطنية وتتكاثر دروسهم ومواعظهم بما يخص ضرورة الوطنية وضرورة حب واحترام الوطن , أما عن ضرورة حب واحترام الوطن للمواطن وحرصه على حقوق المواطن في الحرية والمساواة فالكلام هو الصمت ,لماذا على مواطن حب واحترام وطن عندما لايحبة ولا يحترمه هذا الوطن !!!!.