الأمة الصوتية والعادة الذهنية ….
جورج بنا روبا منصور :
وماذا على الشعوب العربية أن تفعل ! , عندما يأكل الجراد السلطوي والشعبي الأخضر واليابس؟ قد يجيب البعض بأنه على هذه الشعوب أن تقضي على الجراد , لا نظن بأن هذه الاجابة صحيحة بشكل مطلق , خاصة في هذه المنطقة , لربما الأصح القول بأنه عليهم التغلب على غريزة تقديسهم للجراد ورموز هذا الجراد ومضامين الجرادية , ولربما أيضا عليهم التغلب على لصق أسوء الصفات بالسلاطين واحتقارهم , الذي قد يتطور الى نوع من “العادة الذهنية ” ….كيف ولماذا ؟
هناك العديد من الطرق للتغلب على الجراد السلطوي وتصحيح العلاقة بين الحاكم والمحكوم , منها كما ذكرنا التغلب على غريزة تقديس الجراد للحاكم , ومنا أيضا التغلب على غريزة لصق أشنع التوصيفات بالجراد الحاكم , يبدو الطريق الأول منطقي جدا وشعبوي أيضا , أما الطريق الثاني فلا تبدو عليه للوهلة الأولى أي منطقية , وقد يدفع ذلك القارئ للظن بأننا فقدنا عقولنا , على أي حال انها نظرة غير مألوفة تتطلب التوضيح والشرح .
لايتعلق الامعان والادمان على تدنيس الحاكم بكون الحاكم مقدس او مدنس أو جيدأو سيئ أو مقبول أو كونه كفؤ , انما بتحول تدنيس الحاكم الى مايسمى “عادة ذهنية ” , حيث يتعود الانسان الرافض للجراد على ممارسة الاحتقار مثلا احتقار الحاكم , ومع الزمن يتحول احتقار الحاكم الى نوع من الاكتفاء بما يخص التغلب عليه , منتهى التغلب على الحاكم هو انفلات اللسان بين أربعة جدران , هنا تتنكص الثورة العارمة الضرورية على الفرعون الى الاكتفاء بشتمه كالمعتاد , والاعتباد على الشتم والتحقير يصبح نوعا من تقزيم العمل المعارض للجراد , هكذا تتحول الشتيمة الى نوع من المزاج المستقر والمتوفر عند الطلب , كلما انفلت الجراد لأكل الأخضر واليابس ,ارتفعت قدرة المحكوم على تحمل الحاكم والتعايش معه في ظل ثنائية الشتم-القضم , الحاكم يقضم والمعارض يشتم ,هنا يتحول التحقيرالى ثورية توهمية وتألق مخصي بالوطنية , مما يبعث في نفس المعارض او الثائر الوهمي شعورا بالرضى لقيامه بواجبه , لقد شتم ولم يقصر, من ناحية أخرى يشعر الجراد السلطوي بالارتياح , لأن التحقير لايؤثر على الحاكم بشكل فعال, لقد اعتاد السلطان على سماع وصلات الشتيمة وتأقلم معها , على أساس اعتبارها “ثرثرة” ,دعوهم يثرثرون بينما أأكل الأخضر واليابس بكل هدوء .
يقلل الاعتياد على ممارسة مقاومة الحاكم بالهجاء حصرا من حساسية المحكوم للصدمات التي يلحقه الحاكم بها من آن لآخر , فكيف تمكن أسخف ديكتاتور في العالم من تأسيس مملكة وراثية في سوريا !, لولا تحول السوريين بحكم الاعتياد الى ظاهرة صوتية هجائية حصرا, ولولا شعور السوريين برشد وحكمة الاكتفاء بالهجاء ,هذا ما نلاحظه على منصات التواصل الاجتماعي, فمعيار شدة المعارضة هو شدة الهجاء , وهكذا تزخم الصفحات بالمنشورات والتعليقات الهجائية , التي تمتص بقية أشكال المعارضة أو المقاومة .
أقصى أشكال الفعل عام ٢٠١١ كانت تظاهرة خجولة عمرت شهورا , الى أن قضي عليها قضاء مبرما من قبل المسلحين من الفصائل الاسلامية , لم تتمكن الثورة لأسباب مختلفة من تصعيد وتطوير اساليبها , لذلك انفلت الجراد السلطوي من كل عقال قاتلا ومدمرا ومخربا دون أن يتمكن شعب الهجاء من ممارسة مقاومة فعالة , العسكرة الضرورية بدأت خجولة كالثورة , وهذا ما سهل انقضاض الفصائل عليها واغتيالها , وحتى بعد انتهاء التظاهر عمليا , وبعد الفشل في بناء جسدا عسكريا قادرا على مقاومة الفصائل والدفاع عن نفسه , فشلت كل الجهود الأخرى في اقامة جسدا معارضا على الأرض حربا وفي العقول فكرا ,لقد كان كل ذلك من مظاهر الأمة الصوتية المدمنة على العادة الذهنية.
لقد تحولت معظم معالم العلاقة بين الحاكم والمحكوم الى نوع من الغريزية , أي الى أمر “طبيعي” , الى جزء من ” نظام ” الطبيعة , خاصة بعد أن تعلم المظلوم من الظالم اساليبه وانعدى بنفسيته كما أكد ابن خلدون هذه الظاهرة في قديم الزمان , انتقال خصائص الظالم الى المظلوم , يعني تحول السوريون الى ظالم ومظلوم بآن واحد , لذا لم يعد في رحيل الأسد أي ضرورة ملحة بخصوص الديكتاتورية والفساد واستمرارهم , هناك ملايين من الخلفاء للسلف الديكتاتوري الفاسد , هناك ٢٣ مليون ديكتاتور على شاكلة الأسد , وهل هناك اشبه للأسد من أحمد صاحب فرضية المحرر يقرر !.
يشعر الانسان الطبيعي بالفداحة والأسى عندما يكتشف تحول كل فرد في المجتمع الى ديكتاتور, وبالتالي تحول أمر استبدال الديكتاتور الى أمر قليل الأهمية , لا ضمانة لكون الخلف أفضل من السلف , بل على العكس قد يكون الخلف أسوء من السلف,وهل المحرر المقرر افضل من المقرر اللامحرر ….
Post Views: 226