ممدوح بيطار روبا منصور :
بالرغم من كون العنف لايزال حيا في العالم , الا أنه تناقص بشكل ملحوظ , بالمقابل ازداد حدة وانتشارا في المنطقة العربية , هذه الظاهرة تتطلب التحليل والتفسير والتبرير, عاد تناقص العنف عالميا الى انتصار ما سمهاه ابراهيم لنكولن قوة او انتصار الجانب الملائكي في الانسان , ارتفاع وتيرته وانتشاره في هذه البقعة من العالم عاد الى العكس من فرضية ابراهام لنكولن , اي الى انتصار الجانب السيئ في الانسان , او كما يسمى في اللغة الدينية “الشيطاني ” في الانسان , ولماذا بقي الجانب السيئ في الانسان العربي ؟ لابل قوي وانتشر أكثر!!.
لو اخذنا الربيع العربي وما بعده, وتجاهلنا عمدا التراث العنفي القديم , الذي بدأ بشكل واضح جدا قبل١٤٤٠ سنة , لوجدنا ارتباطا واضحا بين مستوى العنف وبين وضع الحقوق الحياتية للانسان , مثل الحق في الحرية او التعليم او بشكل عام الحياة الكريمة المفقودة في هذه المنطقة من العالم , ارتفع مستوى العنف في الربيع العربي ليس لخطأ به , فالربيع العربي انطلق سلميا بشكل عام , ولكنه وقع في العديد من الدول في مطب العنف , وانتكص مقلدا سياسات القمع التي مارستها الأنظمة الاستبدادية الديكتاتورية , مع عنف الأنظمة تناغمت وتفاعلت منظومات ارهابية كداعش وفراخها مثل النصرة والمئات من المنظمات الأخرى الشبيهة بداعش والنصرة , التي قادت الى تشويه العديد من حركات الربيع العربي والى تطور الأوضاع الى شكل مظلم معاكس للاصلاح والتقدم .
تختلف وجهات النظر بخصوص تطور العنف بعد بداية الربيع العربي, الشيئ المؤكد هنا كان العامل الثقافي الذي كان تراثيا , اي أن التأخر الثقافي كان من أهم أسباب انفجار بركان العنف بعد أن همد بعض الشيئ في فترات متقطعة,خاصة عند وجود من ناب عن توحش داعش ,لم تكن هناك حاجة لداعش في شكلها الذي تعرفنا عليه حديثا ايام العثمانيين , اذ أن العثمانيين كانوا كدواعش أسوء من دواعش ابو بكر , لقد خوزقوا ما فيه الكفاية وشنقوا وحرقوا من البشر بما فيه الكفاية ,ولم يكن الخلفاء أفضل من العثمانيين ومن داعش , بل كان بعضهم أسوء من داعش وبعضهم الآخر كداعش , لذا فان نموذج داعش ليس وليد هذا العصر , وجذور داعش تمتد الى عصر ابن عبد الله , الذي ذبح كما ذبحت داعش وحرق كما حرقت داعش ,والخلفاء من بعده فعلوا شبيها بما فعلت داعش حسب اعتراف عمر ابن الخطاب , عن علي قوله بخصوص ” التحريق ” اوقدت ناري وناديت قنبرة ” وقنبرة كان المسؤول عن تحريق الناس وهم أحياء , العنف هنا كان مسألة فرضتها النصوص وشرعنتها والبستها جلابية الجهاد الحريرية .
هناك من يعتقد بأن العنف كان تعبيرا عن صراع الحضارات , هناك صراع حضارات بدون شك , ولكن التاريخ البدوي وحتى الفتوحات لم تكن افعالا حضارية , ولم تكن هناك حضارة لدى قريش وجيرانها , اقتصرت نشاطات القبائل ومنهم قريش على السلب والنهب والغزو , كل الحضارات تركت آثارا مثل الحضارة الفرعونية أو الرومانية أو حضارة المايا او حضارة مابين النهرين وغيرهم , فماذا ترك عرب الجزيرة والمستعربون من بعدهم من آثار في المناطق التي احتلوها أو فتحوها وعاشوا بها ؟ , هل هناك اثارا دالة على حضارة في السعودية باستثناء الحجر الأسود ! ,حتى في بلاد الشام الغنية جدا بآثار حضارية لاوجو لآثار من حقبة ال ١٤٤٠ سنة الماضية , ماهو موجود كان من حقبة ما قبل القرون الأربع عشر السابقة , لذا لايمكن تفسير العنف بمفهوم صراع الحضارات, لأنه لم تكن هناك اي حضارة في هذه المنطقة في القرون الأربع عشر الأخيرة , الفتوحات والجزية والعهدة العمرية والسبي وغنائم الحرب وغيرهم ليسوا من المعالم الحضارية المعترف بها , اذن لم يكن هناك صراع حضارات , لأنه لم تكن في منطقة الجزيرة العربية ما تسمى حضارة .
هناك من يدعي انه للعنف الحالي اسبابا تتعلق بالواقع الجيوسياسي المغلق , الذي قاد اليه الاستعمار الغربي , الذي قاد بدوره الى اقامة الأنظمة الديكتاتورية العنيفة ,هذه الفرضية هشة جدا ,لأن فترة الاستعمار الغربي كانت مقارنة مع الاستعمار العثماني ومع الاستعمار القريشي قصيرة جدا , فرنسا بقيت في سوريا ربع قرن , في حين بقي العثمانيون اربعة قرون , وبقي عرب الجزيرة عشرة قرون , لم يكن العثمانيون متحضرون ولم يكن عرب الجزيرة متحضرون, بينما كان وضع فرنسا مختلفا جدا , والعديد من السوريين يحنون الآن الى حقبة ربع القرن الفرنسي , لأن اول انتخابات في سوريا في القرون الأربع عشر الأخيرة كانت في الحقبة الفرنسية , وأول قانون للأحزاب ولد في الحقبة الفرنسية , كما ان الماء اتى بالصنبور في الحقبة الفرنسية , كذلك الكهرباء , وبناء دار الحكومة الرائع في بلدتي كان في الحقبة الفرنسية , كذلك بناء البرلمان السوري كان في الحقبة الفرنسية , وفي مصر اتى نابليون بالمطبعة وجاء بالعلماء الذين اكتشفوا حجر رشيد والكثير غير ذلك , لم يبن العثمانيون مدرسة ولم يبني القريشيون مدرسة لتعليم الفيزياء والكيمياء الخ , اهتموا فقط بتحفيظ القرآن والفقه والأمور الدينية حصرا , كما ان فترة الاستعمار العثماني وفترة الاستعمار القريشي كانتا فترات ديكتاتوريات قبيحة وعنف لامثيل له وانغلاق وضع شعوب المنطقة في حالة من الجمود , الذي لم يعرف التاريخ شبيها له.
لم تتعلم شعوب المنطقة في القرون العثمانية والحجازية القريشية اساليب الحكم الحديثة , لأن المستعمر العثماني والمستعمر القريشي لم يعرف هذه الأساليب , التي عرفها الفرنسيون والبريطانيون ,لقد كان هدف كل اهل بلاد الشام في القرن الماضي التخلص من الاستعمار او الانتداب الغربي ,ولكن تبين خلال القرن الأخير أن هذه الشعوب لم تكن متمكنة من ممارسة الحكم الذاتي , انخرطت الشعوب في الاقتتال والتجزئة والتفرقة وتحولت الى فقاسة لانتاج الديكتاتوريات البغيضة , الشعوب كانت مؤهلة للاستعمار حسب المفكر الجزائري مالك بن نبي , اي بحاجة للاستعمار المتحضر ,الذي قد يساعد بعض الشيئ في تدريب الشعوب على ممارسة الحكم الذاتي , لم يكن بامكان السلطان سليم الأول او بامكان عمر ابن الخطاب او حتى ابن عبد الله ومن تلاهم جميعا تعليم الناس اساليب الحكم الراشدة الديموقراطية المحترمة لحرية الانسان, طول مدة الاستعمار البدوي القريشي – العثماني قاد الى ترسيخ وتكريس قيم الحرب والعنف والعشائرية ثم الدينية ,التي لاتستقيم مع قيم “الدولة”, ولسوء الحظ لاتزال قيم ماقبل الدولة مهيمنة حتى هذه اللحظة !.
Post Views: 342