سمير صادق , ممدوح بيطار :
وجدت حركات عالمية أنه من الضروري أن يكون للبشرية نوعا من المرجعية , يمكن العودة اليها في بعض الحالات الخصامية بين البشر بسبب بعض التباينات بينهم , التي قادت في العديد من الحالات الى اضطرابات , لذلك كان هناك الاعلان العالمي لحقوق الانسان , الذي تأسس جوهريا على ادراك وجود الاختلافات بين البشر , وقد تقود هذه الاختلافات بين طبيعة بشر وبين طبيعة بشر اخرى الى التأزم والى انتاج مشكلة, لذلك وجدت مرجعية للاحتكام والعودة اليها في هذه الحالات, أي أن الجوهر هنا كان تنظيمي , أي تنظيم ادارة التعددية بين البشر .
هناك اعلان آخر لحقوق الانسان هو الاعلان الاسلامي لحقوق الانسان , الذي يختلف عن الاعلان العالمي من حيث الجوهر, فاذا كان جوهر العالمي الاعتراف بوجود الاختلاف وضرورة الحفاظ على التعددية بين البشر , فان جوهر الاعلان المحمدي آخر , انه جوهر تحقيري شرحه العديد من الفقهاء ومنهم اكثرهم تنويرا وادراكا وفهما كان الغنوشي , الذي اعتبر الانسان كائن ناقص بالطبع ويتواجد في حالة مستمرة من التأرجح بين الخير والشر , وبذلك يعتبر عاجزا وقاصرا عن انتاج اي شيئ مفيد , مثل المقدرة على التحكم بنفسه وادارتها والسيطرة عليها , ينتظر من هذا المخلوق الكثير من العدوانية الجهادية , أي ان صداماته حتمية ابدية , هذا الانسان الناقص العدائي لايعرف التصالح مع نفسه ومع الغير , لأن المحمدية لاتجد اي امكانية للتصالح مع الغير سوى بالغلبة , لكونهم يعتمدون على نصرة القاهر الأكبر السماوي , باختصار يعتبر الانسان محمديا مذنبا بطبيعته ويتواجد بشكل مستمر في حالة من الوضاعة المستمرة , هنا نعجب من قول الخالق بأنه خلق الانسان المحمدي على أفضل صورة, واعتبره من خيرة البشر اي خير أمة , ثم استخلفه على الأرض, وهل من المعقول ان يستخلف القادر على كل شيئ مخلوقات من هذا النوع الناقص على الأرض , لقد قدم الخالق في هذا الخصوص مفارقات غريبة عجيبة , لذا لايمكننا اعتبار هذه المفارقات الهية المصدر , أي أنها من صنع بشري جاهل .
باختصار تمركز الاختلاف بين الاعلان العالمي لحقوق الانسان من عام ١٩٤٨ وبين الاعلان الاسلامي في الجوهر , العالمي اعتبر الانسان خيرا في طبيعته بينما اعتبره الاعلان المحمدي شريرا في طبيعته , اي ان الفرق يكمن في النظرة لطبيعة الانسان , هناك نظرة تنظيمية وهناك نظرة احتقارية دينية , لم يكن للاختلاف في الجوهر تأثيرات كبيرة على الوضع في العالم , لأن الاعلان العالمي كان معمما بينما الاعلان الاسلامي كان محليا وغير معترفا به من قبل القضاء الدولي والهيآت الدولية الأخرى , الكيانات المسماة دولا والتي اعترفت بالمحمدي اعترفت قبل ذلك بالعالمي , اي أن الاعتراف بالمحمدي كان اعترافا شكليا , ثم أن الكيانات التي اعترفت بالمحمدي لم تكن من الدول المهمة المؤثرة في العالم , لقد كانت في الغالب كيانات ديكتاتورية مارقة وفسادة , لم تحقق شروط ” الدولة ” التي وضعها وزير الخارجية البريطانية “سترو” قبل عدة سنين , والتي تبنتها الأمم المتحدة وأضافت عليها شرطين آخرين .
تختلف مواد الاعلان المحمدي عن العالمي بشدة , فالمادة الثانية من الاعلان المحمدي تقول ان الانسان ولد حرا ولا عبودية سوى لله, الأمر ليس بتلك السهولة , اذ أن موضوع ولادة الانسان حرا او مكبلا بالأغلال كانت موضوع نقاشات طويلة منذ أفلاطون وسقراط , عموما يمكن القول أن الانسان يولد كصفحة بيضاء , وبعد ولادته قد يصبح حرا او يصبح عبدا , يعود التناقض في المادة الثانية الى اعتبار الانسان يولد حرا ولكنه في نفس الوقت عبدا , لا فرق هنا بين العبودية للغيب او العبودية لأي مستعبد آخر , أصلا لم تكن العبودية لله سوى تلفيقة , فالعبودية حقيقة لم تكن لله انما لرجال الله من الفقهاء , أما المادة الخامسة فترفض كل شيئ خارج الشريعة , اي بالنتيجة طغيان الشريعة واختفاء الانسان , فلا حرية للرأي ولا معارضة , حرية الرأي هي حرية رأي الشريعة ” الشريعة بمصادرها الأساسية المعتمدة هي المرجع الوحيد لتفسير وتوضيح أي مادة من موادّ هذه الوثيقة, ويرجع عند الاختلاف إلى أهل العلم المتخصصين” , لالزوم لتحليل كل مواد هذا الاعلان , اذ لاتختلف المواد الأخرى جوهريا عن المواد التي ذكرت .
يرى الغنوشي ,كما يمكن أن يستشف من أي وهابي , أن الاعلان العالمي لحقوق الانسان يحمل في طياته “ملامج علمانية , او ملامح الدين البشري القائم على أولوية الانسان في الوجود , وعلى قيامه بنفسه بصنع اي تشريع يلائمه, في حين يحرص التصور الديني على ربط كل القيم بشرع الله , الذي يعتبرونه الخالق والمالك لمخلوقاته , هنا يصطدم الاعلان المحمدي مع الانسان الذي يعتبره ذيلا مملوكا اي مؤمما , بينما في الحقيقة الانسان هو المالك لجسده , ولا حاجة له بأي تشريع من خارج عقله وارادته , والاقتداء بالأنبياء والملائكة لم تكن له سوى نتائج كارثية , لايعترف الانسان الحر بوجود أي قانون او تشريع ليس من صنع عقله , الانسان الديني هو مخلوق ناقص العقل وبحاجة الى المساعدة لاعادته الى منهجية الحياة المؤنسة , فالانسان هو الخالق وهو القدوة .
