بين التكبير والتعبير , زواج المتعة بين المقدس والسياسي…!
هناك في الصراع المجتمعي في هذه المنطقة عدة جبهات , منها الجبهة الاسلاموية السياسية , التي تتقوى بالمقدس وتوظفه في خدمتها على ساحة صراع شعبية بسيطة , تخشى لأسباب ايمانية نقد وتفكيك ما تسمى مقدسات , المعركة كانت ولا تزال عمليا بين أهل “التكبير ” مضافا اليهم الرسل والآيات والتراث الخ , وبين أهل “التعبير “كالعلمانيين بدون اضافات مقدسة دينية وبدون رسل وصحابة وتراث وآيات .
يملك التيار الاخونجي السياسي حضورا ليس هامشيا في الحياة العربية الاجتماعية , والاخونج يطرح نفسه من خلال تزاوج الدين مع السياسة في كيان قريب جدا من الكيان المسمى خلافة , وبعيد جدا عن منظومة الدولة , التي يعرفها العالم منذ اكثر من ٥٠٠ عام , بينما لاتعرفها شعوب هذه المنطقة لحد الآن , يبنى كيان الخلافة على الشريعة المحمدية وعلى السياسة المشتقة من هذه الشريعة اضافة الى التراث , الذي ترعرع وتراكم وتكون خلال ١٤٤٠ سنة, يحتكر كيان الخلافة هذا التراث ويوظفه في مشروعه , يقدسه ويتعامل معه توحيدا وواحدا وموحدا ويكفر كل شيئ غيره وحوله وبالتالي يحول الغير الى عدو له , ويخلق كنتيجة لذلك وضعا انعزاليا عدائيا , لاتنفع في التخفيف من حدته وصفات الترقيع من ادعاء التسامح والتعايش وطمأنة ووعود , ينقلب نفاق التسامح والتعايش والوداعة الى وحش الشريعة المنفلت عندما يتثنى للثنائي الاخونجي – السياسي أن يحكم .
لا يهدف الاخونج السياسي الى أسلمة الدولة فقط , انما الى اسلمة المجتمع , من خلال فرض قواعد خاصة للحياة اليومية , التي على غير المؤمن الالتزام بها قسرا , هوية المجتمع هي هوية الغالبية , والغالبية تعني في قاموسهم “الغلبة”, والتغلب يملي وما على المغلوب الا الانصياع ,لايمكن للاخونج السياسي الا أن يهيمن على الآخرين عندما يحكم , انه من غير الممكن أن أن تكون هناك مساواة بينه وبين أتباع انتماء ديني آخر عندما يعتبر الاخونج الآخرين كفرة وعندما يطرح على نفسه بصيغة النفي السؤال هل يتساوى المؤمن مع الكافر !!!!,عدم بتر رقاب الكفرة فورا أو تأجيل بتر رقابهم هو نوع من مكرمات المؤمنين وتسامحهم , انه تنازل عن حق من حقوقهم , انه لطف وعطف ,أو مايسمى مسامحة , في ظل دولة اخونجية قد يعيش الآخر كضيف او مستوطن وليس كمواطن , أي مخلوق من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة ,ليس لمخلوق الدرجة الثانية وما فوق أن يعارض, لأنه اصلا ليس مواطن , ثم أن الشريعة لاتعترف بأي معارضة , لذلك لاتسمح بممارستها , فمعارضة حكم الله جريمة كفر .
انبثق التوظيف السياسي للمقدس الديني من خلال حقبات عدة منها مثلا حقبة الفتنة الكبرى , الا أن ابعاد التوظيف السياسي التي نلمسها ونعرفها اليوم حديثة بعض الشيئ , انها من انتاج خطاب دعاة الاخونج السياسي بدأ من سيد قطب وليس نهاية بالقرضاوي.
مهما كانت ظروف توظيف المقدس في السياسة ومهما بلغ اضراره بالآخر, يمكن القول أنه ضار بالدين ايضا, والدين ضحية من ضحايا هذا التوظيف , يشكل الدين والسياسة ثنائية متنافرة تنتج صراعا سياسيا واجتماعيا وتلحق أضرارا بالغة بالقيم التي تنظم علاقة الدولة بالمجتمع وعلاقة فئات المجتمع مع بعضها البعض بشكل عام , تصاب الدولة بالتشوه من خلال تعرض كينونتها الأرضية الى تأثيرات سماوية بعيدة عنها وعن طبيعتها بعد السماء عن الأرض.
مهما حاولنا تبرير أو تلطيف اسباب التأخر في هذه المنطقة , لايمكن الا أن نصطدم مع خلطة الدين والسياسة المتناقضة القاتلة , لم تحسن هذه الخلطة للدين ولم تحسن للسياسة , تنتج قيادة الدين للسياسة منهجية متجمدة متخلفة وثابتة لايمكن أن تتوفر بها شروط السياسة, التي تتمثل بفن الوصول الى الممكن , لذلك فان توظيف الدين في السياسة عمليا توظيف الدين في قيادة البلاد , هذا التوظيف نسميه مجازا “سياسة” ,والسياسة بمفهومها الكلاسيكي براء من الدين , يحمل تعبير الاخونج السياسي التناقض في ذاته ,اذ لايمكن للسياسة المتغيرة التزاوج مع تجمد الدين وقطعيته , ولا يمكن لتجمد الدين التزاوج مع مرونة وديناميكية ونسبية السياسة , لذا لاسياسة في الدين ولادين في السياسة .
ضعف الأداء السياسي كان أحد مسببات انتهاك الدين لحرمة السياسة ومحاولة الحلول محلها او التزاوج معها زواج المتعة , زاوج المتعة غير حتى مفردات ادبيات السياسة على شاكلته , اذ نجد الآن الى جانب الحوامل اللغوية السياسية كالرجعية والرأسمالية والاشتراكية والعلمانية والعمالة والخيانة ..الخ , حوامل لغوية أخرى كالكفر والزندقة والردة والحد والزكاة والجزية والشورى والبيعة والمبايعة والعهد والولاية ..الخ , ومن يتابع مايكتب على مواقع التواصل الاجتماعي يكتشف فورا عمق الكارثة,فمهما كان موضوع الحوار او النقاش , نرى الاخونج يلجأ فورا للبرهنة عن صحة توجهاته الى نصوص دينية ملوية الرقبة ومتوافقة مع رؤيته الدينية -السياسية , هنا يضعون الدين والأيات والأنبياء والصحابة والأحاديث في مرمى نيران معارضيهم , وعند التعرض للدين والآيات يجن جنونهم ويعتبرون ذلك في كل الحالات طعنا وازدراء بالمقدس الديني ,ويدعون انه لايجوز المساس بالمقدس الديني, بينما ندعي انه لاوجود لهذا المقدس الديني , لايناقشون الفكرة انما يصنفون الفكرة حسب تصنيفهم لطارحها , الفكرة ضالة لأن طارحها ضال زنديق كافر , الغرب كافر لذلك أفكاره كفر, اما اللجوء الى دياره والتطفل على موائده فليس من الكفر بشيئ !!!!!! , من ينهي عن ذلك الأسلوب الرديئ الفصامي يتهم بالخيانة والعمالة والعلمانية ,حيث أصبحت العلمانية “تهمة”.
لايفهم الاخونج السياسي العالم ولا يفهم العالم هذا الاخونج السياسي , منهجية غبية ومخبولة بالتكبير , توظيف الدين كبديل عن السياسة او زواج المتعة بين الدين والسياسة زنا سيقضي على الدين والسياسة معا!.
Post Views: 513