ممدوح بيطار , سيريانو :
هناك تباين بين النوع الجنسي اي الذكورية -الانثوية , وبين النوع الاجتماعي اي الرجل – المرأة, الذكورية البيولوجية مختلفة عن الرجولة الاجتماعية ,ولا نظن ان العقل العربي الشعبي عموما يدرك ذلك ,ولا نعرف تماما ان كان هناك تمايز لغوي , اي هل تميز اللغة بدقة بين مفهوم الذكورة ومفهوم الرجولة , وهل تميز الثقافة العامة بين الانثى الموازية للذكر وبين المرأة الموازية للرجل ,وهل يميز العموم بين الانثى البيولوجية وبين الانثى الاجتماعية , أي بين الأنثى والمرأة ؟.
يمثل التباين بين الذكر والرجل الكثير من الارتقاء من المرتبة الحيوانية الغريزية البدائية وبين الرجل الاجتماعي المسيطر على غرائزه , وبالتالي تتحول الغرائز الى صيغة مستقيمة مع حياة اجتماعية صحيحة ومتقدمة وصالحة .
لا تميز الثقافة الاجتماعية لشعوب هذه المنطقة بين الأنثى البيولوجية وبين المرأة الاجتماعية , الانثى تبقى انثى , اي مخلوق ناقص اجتماعيا , والنقص الاجتماعي , أي فشل التحول الى امرأة , يوازي المكسب الاجتماعي بتحول الذكر الى رجل , أي الرجولة عند الذكور ,بقي المخلوق الانثوي كائنا بيولوجيا ناقص اجتماعيا وبالتالي دوني, فالانثى ملحق بالفرج , بينما القضيب ملحق بالرجل , الانثى فرج فقط , بينما الرجل الاجتماعي ليس قضيب فحسب ,فتطور الذكر الى رجل , اعطاه مقاما عاليا وامتيازات اجتماعية , بينما بقيت الانثى انثى, اي مخلوق بيولوجي بدون مقام او قيمة اجتماعية عالية , الرجولة متفوقة على الذكورية , والمرأة صفة متفوقة على الأنوثية , ولكن الانثى التي لم تتحول في مجتمعات هذه المنطقة الى امرأة, بقيت فقاسة انجاب وهدف نكاحي ,مظلومة اجتماعيا بالارث والشهادة والكثير غير ذلك , اي بالمعنى الديني المهيمن ناقصة عقل ودين , العقل العربي لايعي عواقب ذلك !.
تنبثق الرجولة من الذكورة كمتمم اجتماعي لمكون بيولوجي, بينما تبقى الانثى انثى بدون مهمة اجتماعية كامرأة , ومن ابقاها كأنثى كانت الذكورية التراثية المحتضنة من قبل المعتقد الديني ,دونية الأنثى ليست حالة حتمية لأنوثتها البيولوجية , بل نتيجة لقرار اجتماعي واعتقادي مقدس يبقي الانثى انثى ويمنع تحولها الى امرأة , أي تحولها من النوع الجنسي (ذكورة-انوثة) الى النوع الاجتماعي (رجل – امرأة ).
يبدو أن العقل العربي المذهبي يتقبل ارتقاء الذكرالبيولوجي الى رجل اجتماعي , اي الارتقاء من حالة حيوانية الى حالة انسانية اجتماعية , بينما يرفض تحولا مشابها بالنسبة للأنثى , أي التطور من انثى الى امرأة , وما هي الانثى في نهاية المطاف سوى مخلوق بوظائف بيولوجية كالانجاب والتناسل , هل يعود الأمر هنا الى مجرد فقر لغوي في التمييز بين الأنثى وبين المرأة ؟ , أو يعود انه فقر بنيوي عقلي ؟, لاوجود في العقل العربي لجوهر مقولة سيمون دي بوفوار من تحول الانثى الى امرأة .
يبدو ان الذكر-الرجل العربي يستصعب التخلص من اعتبار الأنوثة البيولوجية نهاية المطاف , ويبدو أنه غير مستعد لبناء هويات انسانية لاتجعل من الاختلاف الجنسي ذريعة للتمايز الاجتماعي بين الجنسين ؟, لربما كان التراث هو السبب ,فمفهوم الانثى تبقى انثى متجذر في العقول الدينية بعمق , وفي وجه اقتلاعه يقف المعتقد المقدس الذكوري عائقا أمام تطور الانثى الى امرأة .
كانت ولا تزال هناك علاقة قوية بين الواقع الاجتماعي مع الوضع الاقتصادي المعاش ,الذكر احتكر العضلات , التي تحتاجها البنيات الاقتصادية الانتاجية البدائية , التطور الذي ترافق مع انخفاض قيمة العضل وارتفاع قيمة العقل في المجتمعات المتطورة , دفع هذه المجتمعات الى تطوير المنظومات الأخلاقية بكل ما فيها من قيم وسلوك اجتماعي وفكري باتجاه خلق استقلالية اقتصادية للمرأة , مما قاد الى تحررها وتحريرها , عدم وجود الأمان والاستقلال الاقتصادي للمرأة اوقعها في مطب الخوف والتبعية , الذي تحول الى ثقافة اجتماعية ثابتة ومتجذرة في المجتمع الذكوري الأبوي.
وقفت النصوص عائقا أمام استقلالية المرأة , وما هي دلالات ومعنى “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم “؟ هذا يعني ان الرجل رأس المرأة وحاكمها والمسؤول عن تأديبها عند ” شذوذها ونشوذها ” وعندما يعتقد انها أخطأت , القوامة هي ولاية الأمر , وبها يشترط القوة البدنية والمادية , القوامة حق خالص للرجل دون المرأة ,ولا يمكن أن تكون المرأة قوامة على الرجل , حتى لو تكفلت بالانفاق على الاسرة , وان حصل وأنفقت يعتبر ذلك فقهيا من باب الاحسان منها لا أكثر, يتكون المجتمع المتأخر من اناث وذكور وليس من رجال ونساء!
