ممدوج بيطار ,سيريانو :
التأكيد على خصوصيات شعب ما , يعني التأكيد على العزلة وعلى منهجية الانسداد والاستعصاء وبالتالي انعدام التطور والمعاصرة , الأساس في كل تقدم هو التمكن من التطور , والخصوصية هو الضد من التطور , الخصوصية بالمعنى العربي طفلية استعلائية كاشفة لعمق الجهل والتأخر , لايمكن تبرئة اي خصوصية كانت من لوثة الاقصاء , فالعقل الاقصائي لايرى سوى نفسه , التي يرفعها الى مرتبة خير البشر , خير البشر تصنيف لفظي يدل على العكس منه واقعيا ,هنا لاذنب للفرد , الذنب يخص حمولة الفكر الاقصائية بطبيعتها , لأن هذا الفكر لايقبل بوجود فكرا آخر الى جانبه , ولا يقبل الا بزوال الفكر الآخر الكافر , انه مفهوم التوحيد , الذي يلغي الاختلاف والتعددية ويؤسس الى بؤس الانسان ذو البعد الواحد .
هناك العديد من الخصوصيات العربية منها التوحيد , الذي يبدأ بالله وينتهي بديكتاتورية الفرد الواحد المتأله , الذي يرتكز على معاكسة الارادة الجماعية , انه مفهوم “اسمي “,لكنه عمليا اقصائي الغائي لايرى سوى نفسه ولا يعترف بغيره , انه اقصائي بطبيعته , العقل الاقصائي مرتشح بالعديد من الأفكار والتصورات , التي تعارض قيام اي جهد جماعي ويصر على نفي وجود الآخرين ونفي ضرورة او حق النقد , ولتحقيق كل ذلك يزود نفسه بالعنف المرتبط بالضرورة بالتشدد والتعصب , الممثل للبيئة الطبيعية لبعض المجموعات مثل مجموعات الاخونج , التي تتحارب مع انظمة سياسية احيانا وذلك من باب المنافسة على الحصة من كعكة الغنيمة , وليس من باب الرفض للديكتاتورية .
يمكن ان يكون العقل الاقصائي ذو المنبع التوحيدي ديني او حتى سياسي او اجتماعي او عرقي او يميني او يساري , ولكن المنبع الاساسي هو الديني التوحيدي , الذي يتميز بالانسداد الفكري والاستعصاء العلمي والجمود الحضاري والاخفاق الحداثي والهزيمة , التي كانت المنتج الوحيد لمحمدية الشعوب العربية , التي سجنت نفسها في سجون تاريخها , وذلك بعكس الأمم والشعوب الأخرى , التي لم تسجن نفسها في سجون تراثها , وتمكنت بالتالي من التقدم والازدهار .
كان الفكر العربي المرتدي لجلابية وعمامة الدين في مختلف مراحله اقصائي بامتياز وكان حاملا لايديولوجيات لاتسمح سوى بالاقصاء مثل التوحيد , وتقسيم العالم الى دار حرب ودار اسلام , ثم مرض الولاء والبراء ومرض الكافر والمؤمن , فالتوحيدي يرفض التعددي , والمؤمن يرفض الكافر لابل عليه محاربته وقتله, لم يكن بامكان هذا الفكر أن يعيش الى جانب فكرا آخر , ولا يعيش هذا الفكر الا بزوال الفكر الآخر , لذلك يجب قتل فكر المعتزلة والحنابلة وغيرهم , ولما كان فصل الواقع عن منبته صعب الى درجة الاستحالة , لذلك نرى حتى في هذا العصر نكبة تفتت سوريا , التي قدمها سايكس-بيكوا الى السوريين والى العالم موحدة , تشرذمت سوريا ليس لاجزاء شيوعية او سورية قومية او غيرهم من الاتجاهات السياسية , انما لساحل علوي وشرق كردي وجنوب درزي ووسط سني , لاوجود للمسيحي في هذا الفتات , المسيحي ترك البلاد وهاجر بعد نبذه لكونه ليس مؤهلا لنموذج تلك الحياة السورية العربية الدينية , الغير مؤهلة للعيش في التعددية .
لايعرف التاريخ العربي منذ ١٤٤٠ سنة الدولة او الكيان الجامع, فالهيمنة كانت في ذلك الكيان لهذه الفئة او لتلك , والخروج عن تلك الفئة او عن النمط الأحادي والسياسة الأحادية مثل خروجا عن الجماعة , وبالتالي استوجب عقاب من خرج من دائرة الطاعة للفئة المهيمنة لاعادته الى دائرة الطاعة , ومن اعيد الى دائرة الطاعة كان جثة هامدة اي انه قتل .
