جورج بنا سيريانو سيريانو :
يرفض البعض حديث العروبيين عن أمة عربية واحدة , اذ لاوجود لهذه الأمة ” الواحدة” تاريخيا , لقد كانت هناك مستعمرات تابعة للخلافة القريشية , التي احتلت عدة مناطق في العالم شوقا وغربا من الهند الى البرتغال , الوحدة لم تكن بين تلك الأمم المختلفة ,الوحدة كانت بشكل رئيسي في السلطة والادارة القريشية لحوالي عشرة قرون , وحتى الادارة في تلك القرون العشرة لم تكن موحدة بشكل كبير , عرفت ادارة المستعمرات القريشية العديد من المناطق التي خرجت على هذه الاداراة مثل الفاطميين , الذين اسسوا دولة في تونس وبعدها نقلوها الى مصر ثم استقلوا عن الدولة العباسية وشمل حكمهم المغرب وبلاد الشام ,يمكن ايضا ذكر دولة الحشاسين ودولة المماليك , التي رأستها لفترة امرأة لأول مرة في التاريخ المحمدي , ثم جاء دور الفرس خلال الفترة العباسية الخ , بالمجمل يمكن القول ان الحكم لم يكن قريشيا طوال القرون العشرة , وعلى ادارة المستعمرات القريشية تعاقبت شعوب وأقوام أخرى , بالرغم من ذلك بقي الحكم ديني محمدي وتكون تراث يمكن القول أنه كان بدوي الطبيعة لا يزال مؤثرا حتى هذه اللحظة , لم تكن هناك اختلافات كبيرة بين كل من حكم المنطقة في القرون العشرة , كلهم كانوا بدو !!!لم يكن الحشاشين أفضل من القريشيين !
اذن لاوجود لأمة عربية واحدة , لا قبل ولادة الدين الحنيف ولا بعد ولادة الدين الحنيف أي في عصر الخلافة , ولم يكن في هذه القرون ما يسمى ” دولة” بالمعنى المعروف حاليا عن الدولة ,لأن الخلافة لم تكن “دولة” , انما ” كيان” استمد شرعيته من شريعته الدينية , واقعيا كانت هناك شرذمة وتجزأة في الأرض والحكم باستثناء العقلية البدوية القبائلية ,التي لم تتغير , أصلا لم تقدم الخلافة وأشكال الحكم المختلفة لشعوب المستعمرات كالمستعمرة السورية او العراقية او الفلسطينية الخ سوى الجهل والعقلية البدوية , خاصة في مجال التعامل مع الآخر ومع الحكم , الذي لم يتخل عن السيف والعنف والغلبة والتحارب لحظة واحدة .
لنأخذ الحاضر والوضع الحالي , ولنأخذ وضع الفلسطينيين كنموذج عن وضع مايسمى شعوب عربية , يبلور الانقسام الفلسطيني المزمن حالة ما يسمى ” عرب ” , أهم ملامح الوضع الفلسطيني كانت ماتم عام ٢٠٠٦-٢٠٠٧ بين حماس وفتح , ثم في الحرب التي استدرجتها حماس على غزة عام ٢٠٠٨-٢٠٠٩ ثم طوفان الأقصى في العام الماضي, كل ذلك مثل نهجا عربيا دينيا شرق أوسطيا لمسنا شبيها له في سوريا والعراق واليمن والسودان وغيرهم , ثم في الحرب الحالية بين اسرائيل وحزب الله , حتى انه من الممكن ملاحظته في سياسات ايران وتصرفاتها , كل تلك التصرفات مثلت عملية فصل الدولة الوطنية عن مصادر شرعيتها أو مشروعيتها اي عن الشعب , ثم تأسيس دويلات أو بؤر أممية داخل الدول , فحماس الاخونجية الأممية لاتعترف أصلا ” بالدولة ” , ولا يعترف حزب الله “بالدولة”, لايعترف الثنائي حماس وحزب الله بمصالح الشعب , انما بمصالح الدين ,لا يعترفون أصلا بمفهوم المجتمع السياسي المتعدد والمختلف كأحزاب سياسية تجتمع على تحكيم شرعية مشتركة في خلافاتها , لاوجود لمجتمع التعدد في رؤوس اخونجية حماس ولا في رؤوس اخونجية حزب الله , هناك مفهوم الأمة الدينية , الذي يتبناه المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية أي الولي الفقيه ويشرف على تنفيذ بنوده , الأمر مشابه في لبنان مع الولي الفقيه نصر الله اومع الشيخ أحمد ياسين في امارة حماس , أو مع الزعيم العربي الأبدي قائد الأمة الى قيام الساعة .
يترتب على كل ذلك تكفير الدولة الوطنية واعتبارها “جاهلية ” قومية أو دينية أو علمانية أو غير ذلك , وذلك حسب نظام ” الخنادق” , التي لم تحفر فقط في الأرض, انما من النظرة للغير , فلحزب الله خندقه الرئيسي الذي عليه الرئاسة وبالتالي التحكم بنتائج المعركة والحرب على باقي الشعب , الذي يسكن في خنادق أخرى , مثل خندق الخونة أو المتآمرين , خندق الولي الفقيه هو خندق الكمال المختلف عن خندق الدولة الناقص, الذي يقترب من الكمال مؤقتا وأحيانا, وذلك بما يخص تحمل تبعات سياسات خندق الولي الفقيه الرئيسي مثل موضوع الحريات والأمن والاقتصاد والسياسة والحكم , من ناحية المبدأ لا تختلف حماس عن حزب الله الا من ناحية الموارد الاقتصادية المتوفرة لحزب الله والغير متوفرة بنفس الحجم بالنسبة لحماس, تبقى حماس بالنسبة لايران طائرا غريبا نوعا ما أي أن حماس ليس من الأقرباء المقربون .
تعود علاقة القربى بين حماس وايران او حزب الله الى قاسم ” المقاومة ” المشترك بينهم ,مفهوم المقاومة يعني قيام مجموعات من خارج منظومة الجيش بعمليات قتالية لطرد المحتل الغريب , ليس لحماس وحزب الله تلك العلاقة الحميمة مع الأحزاب من النمط الحديث المختلف جدا عن حماس وعن حزب الله وجيش المهدي وجند الله وعصائب الحق وغيرهم ,فالأحزاب المسماة مدنية سياسية لاتحارب بالبندقية والرصاص , أما مجموعات المقاومة الشعبية الدينية فتعتمد على التعبئة المستدامة المتواصلة , التي تحول الجهاد والحرب الى طبيعة رئيسية من طبائع المؤمنين , وتحول السلم والتفاهم والسياسة الى استثناء , ففن السياسة الذي يعني ” الممكن” لايروق لجمهور الجهاد, الذي يعني الكل أو لاشيئ, واللاشيئ يعني الشهادة , التي تعني بالنسبة لهم كل شيئ ,لايستقيم كل شيئ مع السياسة , التي تمثل جوهر الدولة الساعية الى تحقيق الممكن , لايمكن في هذه الحالة تزاوج الممكن النسبي مع مطلق كل شيئ أو الشهادة , التي نترجمها بمفردة “الانتحار” ,مافعلته حماس في طوفان الأقصى ليس سوى عملية انتحارية منسجمة مع التفكير الديني المتبني لمفوم كل شيئ او لاشيئ , عموما لاسلطة في حماس وحزب الله تعلو على سلطة الله اي سلطة الجهاد , الذي قد يكون داخلي او خارجي , والجهاد لايفرق بين الداخلي والخارجي , لأن الجنة ستكون من نصيب المجاهد بغض النظر عن موقع جهاده أو كيفية جهاده .
احتراما للموضوعية يجب التأكيد على أن ظاهرة التخندق مثلا في لبنان , لم تكن من ابتكار حزب الله حصرا , التخندق في لبنان ظاهرة مرضية في الكيانات العصبوية الدينية او العنصرية التي تسمى ” دولا ” حتى في هذا العصر , لقد كان هناك خندق المارونية السياسية والسنية السياسية ثم خندق الدرزية السياسية , بعضهم مات وطمر تحت التراب والبعض الآخر ينتظر لقاء ربه , موت تلك العصبيات كان مؤشرا على بداية نهاية عصر الاستيلاء على الدولة عن طريق تفجيرها بمفخخة الدويلة أو الأممية او مفخخة انفصال جزء من الدولة , أو التفخيخ بمفهوم “المقاومة ” أوالدين أوالعروبة أو غيرهم !
