ربا منصور , سمير صادق :
تمركز معظم الديكتاتوريات المزمنة في مجتمعات محمدية ,يدل على وجود علاقة بين التاريخ الذي صنعه الدين وبين الديكتاتورية ,تعجب الخليفة عثمان قبل حوالي ١٤٤٠ سنة عندما طلب الشعب منه التنحي متسائلا كيف علي أن أخلع ثوبا ألبسني أياه الله ؟ ,ولطالما الله كان من اعطى عثمان المنصب والثوب ,لذا لالزوم لمبايعته من قبل الشعب , انه ممثل الله على الأرض,ولا لزوم لمبايعة ظل الله على الأرض !
لقد غابت كلمة “البيعة” طويلا عن الأدبيات المحلية , ثم عادت قبل ثلاثة أو أربعة عقود,وفي هذا السياق قيل أن الشعب بايع عائلة الأسد أبا وابنا وكنا نظن بوجود نوعا من التشابه الجزئي بين الخلفاء وبين الرؤساء وبين الملوك والأمراء ,ان كان الأسد أو الأخ معمر أو ابن على أو علي عبد الله صالح أو مبارك أو صدام أوغيرهم,لابل كنا نظن أن الأنظمة الجمهورية أفضل من الملكية , لكون الانظمة الجمهورية عموما أفضل من الملكية.
كنا نظن أن الملوك والأمراء أسوء من الرؤساء , ففي الأنظمة الملكية تحدد الحيوانات المنوية الملك الجديد او حتى الخليفة الجديد خاصة بعد الخليفة الراشد الرابع , ومن يحدد الرؤساء نظريا كانت نتائج الانتخابات , ولكن ثبت أن من يحدد الرؤساء ايضا حيوانات بشرية مثل الزبانية والأزلام والفاسدين ,والرئاسة عرفت التوريث والتزوير الانتخابي في هذه المنطقة , التي انعم الله على شعوبها بالدين الحنيف , وأنعم على الرؤساء والخلفاء والملوك بالأرض وما عليها وما فيها .
نظريا تعرف الجمهوريات احزابا سياسية ,ولكن هل كانت هناك احزابا سياسية أثرت وسيطرت وحكمت في هذه المنطقة ؟ ,او كانت تلك الأحزاب ممثلة ومتبنية لمنهجية فكر ديني! , لابل مثلت أشكالا أسوء من اشكال الاحزاب الدينية كالاخوان مثلا , في بعض النقاط كانت تلك الأحزاب أكثر بدائية من الاخوان , فجماعة الاخوان لاتورث ولا تبايع,أما الأحزابالقومية والأممية مثل البعث والشيوعي وأمثالهم فقد كانت شكليا قومية أو أممية خاصة في البدء , تأقلمت هذه الأحزاب مع الجو الديني العام ,وتحولت الى دينية في بنيتها وبنائها المؤسس على تقديس القائد الى الأبد كبكداش والأسد .
هناك مفارقة يجب تمويهها بين الرئيس الشكلي والملك الفعلي , والتمويه تم كما قلنا في مقال سابق باستخدام القناع , فقناع “الحزب مدعي العلمانية” وضع على وجه الحزب- الطائفة , وقناع “الطائفة ” وضع على وجه العائلة , وقناع “العائلة ” وضع على وجه الأسرة , وقناع” الأسرة ” وضع على وجه الشخص, لقد كان هناك تطورا وحيد الاتجاه من الحزب الى الشخص , تقزم الحزب وتضخم الشخص الى أن أصبح الشخص الكل بالكل وبذلك تمكن من تحريك الحزب الضامر المشخصن القزم كما تحرك جند وقلاع وخيول الشطرنج , تطلبت سهولة تحريك الأحجار تحويل شعب الحزب الى أزلام وعبيد لاله الحزب أو قائد الدولة , أزلام وعبيد بدون عقل أو فكر انما بريع دفعه الشعب قسرا وهو صاغر.
وكما قلنا سابقا لاضرورة لكون الزبانية عقائدية , فالتابع العقائدي متعب مقارنة مع التابع الانتهازي الامتيازي, وفي بعض الأحزاب لم يبق عقائدي واحد , معظمهم أو أكثريتهم الساحقة تحولوا الى امتيازيين أو انتهازيين ,يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا ,يعتاشون من ارهاب أجهزة الأمن ومن الفساد , كالدين الذي يعتاش من الترهيب والترغيب , الدين جلس على الكتاب والآيات , والملك الجمهوري اي الجملوكي جلس على المادة الثامنة وبقية قوانين الطوارئ ولبس قميص عثمان , النتيجة كانت تأليه الملك -الرئيس وتأبيده الى جانب الدين الأبدي ,ألهة ابدت بعضها البعض !! .
من أهم الأحزاب في الشرق كان حزب البعث بشقيه العراقي والسوري ,دون وجود فروق كبيرة بين الشقين , هناك حكم صدام لمدة 35 عاما ,وهنا حكمت الأسدية لنصف قرن , هناك وهنا كانت الديكتاتورية مطلقة وخاضعة لأحكام التوريث والمبايعة ,بالنتيجة كان هناك وهنا حطام دولتين نخرتهم دودة الطائفية والتأليه ,جمع صدام حوله جوقة من رجال الدين وراية الله أكبر لصقت على العلم الوطني خاصة في ايامه الأخيرة , ولدى الأسد كان البوطي والحسون المغرد ووزير الأوقاف السيد ثم القبيسيات وفريق الشباب الديني, أين هو الفرق بين هؤلاء وبين الملك عبد الله السعودي أو الأمير شخبوط العماني ؟؟؟.
في سورية ولبنان أسس أنطون سعادة الحزب السوري القومي , الذي ابتعد كثيرا عن تفاصيل الفكر الديني,كان ولا يزال علمانيا ومنتشرا بشدة بين المثقفين المدنييين ,الا أن كوادره لاتزال تعتاش فكريا من سعادة , الذي حولوه عمليا الى نبي ,وبالتالي وقع الحزب في مطب منهجية التقديس , الذي لايستقيم اطلاقا مع أي تفكير مدني علماني , المدنية العلمانية لاتقدس ,انما تحترم العقل وتحتكم اليه ,لذلك كان على نشاط الحزبيين السوريين القوميين أن لايقتصر على النقل , كان عليهم أن يفكروا ويبدعوا كما فكر سعادة وأبدع.
لم يصاب السوريون القوميون بداء الطائفية وهذا ما ضمن لهم حرية فكرية ذاتية , انهم ليسوا مقيدون بالدين او الطائفة , لذلك تمتعوا بحرية الوجدان السياسي -الاجتماعي الذاتي , لقد كان عليهم على الأقل الاجابة على السؤال التالي , ماذا لو عاصر سعادة حزب الله ونصر الله في نصف القرن الماضي ؟ , هل سيكون حليفا لحزب الله او خصما له ؟, سعادة لم يكن شيخا معمما ولم يتحالف يوما ما مع المشايخ , لقد كان واقعيا , ولو عاصر ماحدث منذ عام ١٩٥٠ الى الآن لغير نظرته الى فلسطين والى واقع الشرق الأوسط ولحرر نفسه من وهم تحرير فلسطين على طريقة تجار قضية فلسطين من الحكام القاصرين ومن الشعبوية المضللة المخدوعة المتوهمة
