ماذا ستجد عند زيارة مزبلة التاريخ ؟

جورج بنا , ميرا   البيطار  :

مزبلة التاريخ المزابل حاجة  أساسية من حاجات الانسان , والاستغناء عنها  غير ممكن  , فبدونها  تفوح روائح العفن  , عدد المزابل  وحجمها    يتناسب طردا مع حجم الزبالة ,  والحديث هنا ليس عن مزبلة القرية أو المدينة , وانما عن مزبلة “اعتبارية” هي مزبلة التاريخ  , ومزبلة التاريخ  تختلف عن غيرها من المزابل التقليدية , حيث يمكن تكرير محتويات المزابل التقليدية   ثم استخلاص  مواد مفيدة منها  كالصابون مثلا , مزابل التاريخ  لاتسمح بالتكرير ,وانما قد تسمح بالتكرار , فدخول العديد من  الزبالة الى المزبلة لم يثن  غيرهم من  التفسخ والتعغن  الذي يقود منطقيا الى المزبلة , هاهو الابن  يسير   بخطى ثابتة  باتجاه المزبلة  , وصل الى مشارفها  وهو ينتظر الآن شرف  الدخول اليها  ..فالرجل المناسب عليه أن  يكون  في المكان المناسب .

غريبة تلك   الأيام ,التي  انتقل  في مثلها   حافظ الأسد الى جوار ربه قبل ٢٤  عاما   , والغرابة تكمن  في  فقدان  أي  دراسة أو موضوع جدي حول   من  قيل عنه    أنه  صانع سوريا الحديثة , وذلك باستثناء   ماكتبه   شاعر البلاط المتوفي  بهجت سليمان من  هراء , لم   يتفوه  شريف شحادة بكلمة بعد   أن   استلم   حصته من   الفساد   كفيلا   يقدر   ثمنها   بملاين   الدولارات  ,ولم يلق   أخصائي المربعات   خالد العبود  موعظة ناقدة   ,اختفى    بسام أبو عبد الله    في   الصمت , وكما   هو  منتظر    أغلق القبر  فم  الشاعر محمد مهدي الجواهري , الا أن بعض أذكياء  الأسدية   وجدوا   ان   المديح    يورث  كالرئاسة, أي    أنهم   وجدوا    في مديح الشاعر   الجواهري للأب    حافظ   قبل عشرات السنين  مديحا  للوريث بشار   , اذ ماينطبق على عبقرية   الأب  ينطبق على عبقرية الابن  , وبالتالي فمديح  حافظ هو مديح لبشار, خاصة وان  الجواهري أعطاكم عمره   قبل تنصيب بشار, ولم يكن له   حظ  التعرف على القائد الرائد .

كلمة في شاعر   البلاط  الجواهري , انه بدون شك من  أعظم من تملق مادحا   وأجاد لغويا    , لقد  مات  عام   ١٩٩٧ وبالرغم من  ادمانه  على مديح كل من اعتلى كرسيا , الا أن  معاييره كانت أحيانا   صارمة     , لقد مدح  الملك فيصل  ومدح , وهو  الشيوعي ,  نوري السعيد   ومدح  الملك  المتوفي  حسين  ومونتغمري  ومحمد علي ,  ولو   بقي على   قيد   الحياة   سيكون  من   المؤكد    أنه   سيمدح   بشار ,   خاصة   لأن    والد   بشار    قدم   للشاعر   قصرا  وقبرا   ,الاستثناء   الوحيد الصارم    كان  رفضه   مديح  صدام حسين  ,لانعرف   سببا   لهذا   الرفض !!!

لاشك  بأن  الجواهري  وأمثاله من  أفصح نزلاء  مزبلة التاريخ ,انه رجل  دجل  القافية  وليس رجل القضية   , انه وريث تراث امتد من أمرؤ القيس حتى أدونيس  , ومن أمثاله أمثال , فهؤلاء مثلوا  طاقما كاملا من  المداحين   , وفي المزبلة سوف لن يكف حافظ  عن استجداء المديح  , وسوف  لن يكف  أمثال الجواهري  عن  تقديم جرعات مناسبة من المديح  , هكذا هي  الحياة في الدنيا وفي الآخرة ,   تلفيق  !

مزابل التاريخ  تبدو وكأنها غيرمخصصة   للجميع  ,  وما نلاحظه  هو التالي ,  كل طرف يرى الطرف الآخر المعادي أو المعارض   له   في مزبلة التاريخ  , الأسدية  تدعي ان معارضيها   سيؤولون الى المزبلة , والمعارضة  تؤكد على أن الأسدية  من نزلاء  المزبلة  المؤكدين  , فما العمل  والحال  كذلك ؟.

لايمكن التعامل مع كل هذه التناقضات  والاتهامات المتبادلة  الا   بالحيادية والموضوعية  , وذلك حسب القاعدة المسيحية التي تقول”من ثمارهم تعرفونهم” ,  فالأسدية حكمت سوريا بشكل   مطلق  نصف قرن من الزمن   , وكل   صغيرة أو كبيرة كانت من صنعها ,  وسوريا الآن كما  يمكن لكل  مراقب تقييمها عبارة عن  خراب  أو مزبلة  , مزبلة  صنعتها الأسدية  عن سابق عمد وتصميم أو  غباء ,لذلك  فانه من  الأولى  بالأسدية صانعة المزابل  أن  تؤول نهاية  الى مزابلها التي  ستتوضع في التاريخ  , ذلك  لأن ماحدث في سوريا  هو أمر تاريخي.

  سوريا التي  تزبلت بحلتها الأسدية  سوف لن تبقى   رهينة  هذه الحلة  , من   المنتظر   أنها سوف  تلملم جروحها  وتنهض ولو بعد حين , وسوف لن يكون في سوريا الجديدة  الفقيرة والمهدمة   المهانة   أي مكان   لمن اغتالها  ومن   مزقها   , مكان هؤلاء  ليس في سوريا  وانما في التاريخ السوري  , الذي  سيكون حساسا جدا  تجاه    أمثال الأسدية , التي  كانت تجربة  مريرة ومؤلمة ..تنذكر وما تنعاد !.

أما المعارضة  التي تراها الأسدية  في المزبلة , فلم تثمر لحد الآن  لكي نتعرف عليها من ثمارها ,  المعارضة  الرمادية  لم تخرب سوريا ولم   تحارب   في   سوريا , وكانت   اما   في المهجر  أو في المحجر ,هرب  الشعب   عموما    وتشرد في كل بقاع الأرض  ,  ولمن بقي لم تكن له اقامة الا في الماخور  , عمل    المعارضة   كان  حقيقة   صعبا   جدا الى   حد    الاستحالة ,  خاصة  وأن   اعدائها    في    السلطة   وبين   الفصائل   الأسوء   من   السلطة كانوا    من   الحربجية   المسلحين  والمعارضة    السياسية   لاتحارب , هنا   لابد   من   التنويه على  أنه كان بامكانها  العمل  بفاعلية  أكبر  في  الستينات  والسبعينات ,ولكنها     لم تملك في       ذلك    الزمن  المعرفة السياسية  ووضوح الأفق  والشجاعة الأدبية , ولم  تملك  أيضا  الرؤية المستقبلية  الواضحة  , التي    تمكنها  من  تصور    ما ستؤول اليه سوريا  بعد عام ١٩٦٣  خاصة بعد عام ١٩٧٠ ,نهاية سوريا الأسد عام ٢٠١١كانت  النتيجة الحتمية والمنطقية لبدايتها عام ١٩٧٠ , فمن يبدأ كما بدأت  , سينتهي كما انتهىت .

بالرغم من  فشل  المعارضة سابقا   ولاحقا   وللعديد من   الأسباب   , فانه ليس من الحق والعدل وضعها  في مزبلة التاريخ , هناك  فرق شاسع بين  اجرام ولؤم السلطةوالفصائل   المسلحة   وبين سذاجة  وغباء المعارضة , المعارضة تستحق  التأنيب  وتستحق النقد  وتستحق الكثير  من اللوم  , الا ان مكانها  يجب أن يكون الوطن  , حيث   لاوجود  لمن   ينقذ  الوطن غيرها .

  المعارض  للأسدية   هو   من   تضرر   منها  ,  انه  الايديولوجي والمحارب    السلفي   ,أوالصامت أو  الملفق أو  ..أو  ,  ولكن   المعارض   الثوري  ليس    السلفي    او   الأصولي   المحارب  ,   او   بكلمة   أخرى   المقاتل   في   سبيل   الله   ,  فالمشكلة    ليست   مشكلة  الله   انما   مشكلة     سوريا   , الايديولوجية  ليست الا صياغة  للمصلحة  بلغة  فلسفية  أو عقائدية ,  والسلفي الذي يحارب قاصدا الموت ليس  الا عنصر مقاتلة  تنتهي   بمكسب في الجنة  ,يختلف   الثوري عن    السلفي    ,  فالسلفي   يريد    الشهادة   اي   الموت   في   سبيل   الله  والجنة  طمعا    في     الحوريات   وغير   الحوريات   ,  لايهتم    المقاتل    السلفي    بسوريا   الوطن   ,  لأنه   بطبيعته    لاوطني   ,  أي   لايؤمن   بالأوطان بعكس   الثوري   ,  الذي   يؤمن   بالوطن  ,  الذي   عليه   أن  يصبح   افضل   من   الناحية   المادية     والثقافية   والحضارية   الأخلاقية .

   الأكثرية  السورية لاتحارب في  سوريا ,   ليس   لأن    الثورات  لاتحارب    عموما ,  انما   لأن   الوضع   السوري   السلطوي  والفصائلي  غير مناسب   لحرب  تقوم    بها    المعارضة  المتوضعة   في    الرمادية السلمية  والمتفوقة  فكريا  وأخلاقيا   على   الأسدية  وعلى   الفصائل   المسلحة ,  وفي   اي   نزاع      يستخدم كل   فريق   قوته وتفوقه في   مجال  ما, وفي  مجال الثورة لامجال   للحرب ,  لأن   الثورة    ليست   على   السلطة   فحسب  ,  انما   بالدرجة   الأهم   على الفصائل   المتفوقة  عسكريا    اي   حربيا ,  صلاحية   الحرب لدى الثوار في   سوريا   منتهية   قبل   أن   تبدأ ,  الحرب ابتلعت    الثورة   الضرورية   بعد   أشهر   فقط   من   اندلاعها ,  اضافة   الى   أن    الحرب   قضت   على وجود   سوريا   بالكامل  بما   فيه الأمل في   العيش ضمن   وطن .

حربجية الفصائل   ليسوا   ثوار, والسلطة معدومة    الشرعية ,  لم   تكسب   اي    شرعية, ولو   اكتسبت   اي    شرعية   لفقدتها   بسبب   تصرفاتها , عموما   يمكن    القول  أنه لولا  وجود   الفصائل لانهارت    السلطة   , ولولا   السلطة لما   كانت   هناك فصائل   محاربة  ومسلحة, سقوط    الأسدية   سيقود   الى   تبخر   الفصائل   ,  كما  أن   سقوط   الفصائل   سيقود   الى  تبخر   السلطة   ,  كل   منهما  يمثل   ضرورة  وجودية   للآخر , باختصار   ينصح   بالقاء نظرة    على    ثورة   السويداء   هنا   يكتشف   الناظر  تكيدا   لما   ذكر    ,  أهل    السويداء    اذكياء   !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *