عن السير قدما باتجاه المزيد من الانحطاط !
سمير صادق , جورج بنا :
تتواجد شعوب هذه المنطقة أمام ظاهرة تؤكد خروجها من التاريخ ومن سياق التقدم , ففي معظم الدول العربية, التي نالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية ,حكمت نظم قومية الاتجاه والمضمون ولفترات ليست قصيرة , تطورت الأحوال ,كما نرى ويرى ايضا فاقد البصر بشكل معيب تميز من حيث الشكل والمضمون بتلازم انحسار التيارات القومية والتحررية واليسارية لمصلحة تيارات تستحق اسم الدين السياسي , الذي أسس لأول مرة في تاريخ المنطقة الحديث جمهورية ملالية دينية بشكل رسمي عام ١٩٧٩ في ايران,ومنذ ذلك الحين تقريبا تفاقمت التوجهات المذهبية المتواجدة أصلا في كل المنطقة منذ ١٤٥٠ سنة,واحتلت الشأن السياسي في مناطق خارج ايران , مثل لبنان واليمن وسوريا ,قتلت السياسة المدنية الضعيفة أصلا بين مطرقة ايران وسندان السعودية , انتفخ الطرفان واشتروا المؤيدين والأزلام ,لاحرية بل لطميات وتعصب ديني , قضى على بداية التوجهات الديموقراطية, التي هوجمت من الجهات الدينية ,وفي هذا السياق تمكن فريق ديني كداعش من السيطرة على أقسام كبيرة من سوريا والعراق , وتمكن فريق من الطرف الديني المنافس من السيطرة على شمال اليمن وعلى لبنان وسوريا جزئيا , وتحولت الدول والمجتمعات الى ذيول لهذا الطرف أو ذاك,لم يعد بالامكان رصد قوة فعالة وفاعلة مدنية يسارية أو شيوعية أو اشتراكية أو يمينية رأسمالية ليبرالية أو حتى قومية في هذه البلدان, فلولا الحلفاء لتحولت سوريا والعراق وغيرهم الى خلافة داعشية من نموذج خلافة الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم .
شذت حماس بعض الشيئ عن قواعد احلاف المذهبيات , ففي فترة سابقة طردت من الحلف الشيعي , وقبل فترة عادت الى حلف مذهبي من نوع غير متجانس تماما , ولكنه كان في الجوهر مذهبي وموجه مذهبيا ضد ابناء العم في اسرائيل , وهكذا تحالف الاخوة الاخوان شيعة وسنة ضد ابناء العم مرحليا , ففي المذهبية هناك فرق بين الأخ وبين ابن العم , من المتوقع انفراض حلف الاخوة بمجرد انتهاء الحاجة له ,أو بالأحرى سيلغى حلف حماس مع الملالي تلقائيا , بعد أن يتم القضاء على حماس نهائيا , القضاء على حماس حتمي ومن مصلحة المنطقة بشكل عام ومن مصلحة الفلسطينيين والغزاويين بشكل خاص , بغض النظر عن المشكلة مع اسرائيل , التي يجب حلها بأساليب أخرى , طوفان الأقصى لم يكن حلا ,انما محاولة القضاء على اي حل .
للمشكلة في هذه المنطقة العديد من الأسباب, ولا نظن بوجود سببا يمكنه تعليل ماحدث بشكل منفرد , فلا نظرية المؤامرة قادرة لوحدها على تفسير ذلك ,مع العلم بأنه توجد بشكل ما مؤامرة , ولا الاحباط والاخفاق وخيبة الأمل قادرة على تفسير كل ذلك مع العلم بأنه للاحباط وخيبة الأمل والاخفاق دورا مهما جدا في افساح المجال أمام ثقافة تراثية لا عقلانية تحولت الى الملاذ الأخير للناس ,القضاء على السياسة من قبل الشخص الديكتاتور المستبد المتأله او الرديف الموازي لاله السماء خلق فراغا ,قامت المذهبية بملئه دون مقاومة تذكر ,اصلا كان الديكتاتور دائما حليفا للقوى المذهبية تحت احكام المحاصصة في السلطة , تعرف المحاصصة في ظرف ما العديد من التغيرات في نسب الحصص ,الآن ارتفعت حصة المذهبية , وقد تصل الأمور في الخلاف حول الحصص الى مايشبه حماه من عام ١٩٨٢.
لجوء الناس الى تقبل استبداد الله أو من ينوب عنه لا يستطيع بمفرده تفسير ظاهرة نجاح احتلال الدين ورجاله للفضاء السياسي , استسلام الجمهور الممنوع من الخيار والاختبار الى مشيئة المنع الالهية كان سببا الى جانب كونه نتيجة , الالزام القسري سياسيا الفاقد بطبيعته الى الالتزام الطوعي لا يمكنه بشكل منفرد تفسير ماحدث ويحدث من العودة المتطرفة الى الحالة الايمانية الطقوصية السلفية و تفسير جنون الجنوح الى الانحطاط ,ولا تبخر السعي الى صنع وامتلاك ثقافة الحداثة وانجازاتها يفسر ذلك , اضافة لكونه أيضا نتيجة للتأخرية , هناك أسباب كثيرة لهذا الانحطاط , وبعضها يتصف بالازدواجية ..انه سبب ونتيجة في آن واحد , الشيئ الثابت في هذه الاشكالية هو قدسية المذهب ,وبالتالي صعوبة تغييره وتطويره ,اضافة الى كون التطوير والتغيير ممنوع..لا اجتهاد في الدين !!! ,كما انه لاحاجة للتطوير والتغيير لأن النصوص واحكامها تغطي حاجات الدين والدنيا,فالدين هو دولة بأحكام وترتيبات وقواعد صالحة لكل زمان ومكان والى الأبد, هكذا يقولون !!!
لافائدة تذكر من تعداد أسبابا اضافية لاخفاق التحضر تحت تأثير التراث الديني , فربع ماذكر كاف للتأكد من مناعة واستعصاء الثقافة المذهبية للعلاج , في هذه الحالة قيل مرارا وتكرارا على لسان رجال النهضة والتنوير بأنه لامفر من فصل الدين عن الدولة , ولكي ينجح هذا الفصل لابد من جو ثقافي يضع النقاط على الحروف بصراحة ووضوح , نيتشه قال , ان لم يمت الله فسأقوم بقتله , فيور باخ نعى موت السلطة الكهنوتية غير آسف عليها ,لا نظن ان هناك حاجة للتذكير بمواقف ماركس وفرويد وفولتيير وغيرهم,فما هو صحيح بالنسبة للقرون الوسطى الأوروبية , صحيح بالنسبة لحالة العرب هذه الأيام !
Post Views: 556