ممدوح بيطار , سيريانو :
يقسم الفكر الديني الى لاهوتي , أغنى في حقبة تاريخية معينة الفكر الانساني الاجتماعي والفلسفي بمفاهيم وأفكار لايمكن التقليل من شأنها , والى فكر مغلق متعصبب متزمت, قاد الى حروب ضارية , ترافقت مع انهار من الدماء , سميت حروبا مقدسة او حروبا الهية ,خلال القرن العشرين كانت هناك عدة تطورات منها استيقاظ ما سميت “الصحوة الدينية” , اضافة الى ذلك استعاد الأرهاب الجهادي القديم نشاطه حسب نموذج السلف الصالح ,كان الارهاب المستيقظ فردي أو فئوي او حتى سلطوي ,مثلت يقظة الصحوة ويقظة الارهاب المرافق لها تطورا ظلاميا لاصلة له أصلا مع كل انواع الفكر اللاهوتي , انما مع بعضه , فبعض هذا الفكر اللاهوتي الديني مثل الخلفية العقائدية لذلك الارهاب المستيقظ , الذي بلغ من العمر بالمجمل حوالي ١٤٥٠ سنة .
عموما ارتكز الفكر الديني على التسليم الايماني المطلق الغيبي, الذي ادعى , خاصة في اشكاله المنتجة للارهاب , امتلاك الحقيقة المطلقة الرافضة لأي نقد والمتسمة باللاعقلانية الرافضة للاجتهاد والتطوير , ثم بالاقصائية والغرور والانغلاق والتبجح الجنوني , هناك أمة تدعي كونها خير أمة , دون أن تسأل نفسها عن معالم الخير فيها , ودون أن تنظر الى دواخلها وأجوافها المليئة بالشر والعنف , من يدعي كون امته خير أمة لايعترف بالآخر , لا وجود “لنصف” اعتراف بالآخر , اي اما اعتراف بالآخر على أساس المساواة , او اقصاء الآخر على أساس العنصرية والغرور.
في الشكل الثاني من الفكر الديني , اي الشكل المتزمت المتعصب والمنتج بشكل رئيسي للارهاب الفردي او الفئوي , تحول طقس العبادة الروحية , التي نراها في الشكل الأول اللاهوتي , الى حالة غريزية حيوانية تلغي العقل والعقلانية, وتلغي اي امكانية للقاء انساني عقلاني مع الآخر المختلف , يتم اللقاء الأول والأخير مع المختلف على ساحة القتال , وقاتلوا الذين لايؤمنون …الخ, كلمات التحية في هذا اللقاء الأول والأخير تترجم مفهوم جئتكم بالذبح !.
تتصف جماعات الفكر الديني من النوع الثاني بكثرة الخلافات الداخلية , التي تقود , في حالة غياب العقل وحتى غياب غريزة الكلام واستوطان العنف الغريزي في الوجدان , الى انشقاقات وتشرذمات مستمرة , وذلك كنتيجة لعدم التمكن من تفاهم تلك الجماعات مع بعضها البعض , بسبب المواقف القطعية وثقافة الثوابت وانعدام ثقافة الحوار ,فمن لايحاور سيحارب , ومن يحارب يقتل شهيدا او سيقتل غيره ,كل فكر ديني عرف هذه الظاهرة , الا أن كثافة هذه الظاهرة في الدين الحنيف كانت عالية جدا, لا وجود لخلفية فكرية من هذا النوع الجهادي العنيف في بعض الأديان الأخرى.
يعيش المؤمنون في لحظة ما يسمى “الوعي الشقي”في تعاملهم مع العصر ومع الغير , انهم يرفضون بقية العالم , الذي يعتبر كافرا, يشعر مخلوقات الوعي الشقي بالشقاء في الحياة الدنيا , لذا يستنجدون بالأمل في الجنة ,وللأمل في الجنة شروط منها الجهاد في سبيل الخالق المشرف على الجنة , الجهاد عنف, والعنف يتطلب التطرف , ليس للشقي الفقير عادة جنة على الأرض , الفقير يعيش في حالة خانقة بدون أمل أو أفق , لذا من السهل اقناعه بجنة السماء والنساء اللاتي ينتظروه بالعشرات وينتظرهم بلهف وشغف , لذا يتمنى الموت المبكر , حتى أنه يخترع المناسبة التي تضمن انتقاله السريع الى السماء السابعة من خلال الاستشهاد أي المقتل , الذي يتمناه لنفسه قبل أن يتمناه خصمه له .
لأسباب موضوعية يشعر ذلك المخلوق البشري بالشقاء عنما يتمكن من وعي ذاته المستعبدة المحتقرة , وشعوره بهذا الشقاء في زمن السعادة الضائع , يدفعه الى السعي والمطالبة بالعدالة والاحترام والاكتفاء المادي , عادة لايتم تحقيق مطالب هذا الانسان في المجتمعات الجائرة المحكومة من مخلوق متعسف جائر , لذا يشعر هؤلاء بالشقاء والتعاسة والمأساة في الوجود , هنا يكمن جوهر الوعي الشقي او الوعي المأساوي بالحياة,كنتيجة تتم محاولة تجاوز الوعي الشقي المأساوي بالمعاوضة اللاعقلانية المتطرفة ,يجاهد الشقي في الحياة الدنيا من أجل الخلود الأبدي ,كما جاء في اسطورة غلغامش البابلية, يعني الوعي الشقي أن يعيش الانسان مثقلا باختراق لحظات الحزن لعقله , ازمان ذلك يحول هذا الشعور الى مايشبه الغريزة المتمركزة في الوعي الجماعي , هذا الانسان يعيش في الموت لأن حياته على الأرض ميتة , اسقاط هذا الشعور على الجماعة يقود الى اعتقاد الجماعة بأنه لاقيمة للحياة الدنيا مقارنة مع الأبدية في الآخرة , هنا لاينسى الدين تقديم عرضا مغريا للبعض , افعل ماتريد من شرور واجرام وكذب واحتيال , يكفيك ان تعلن قبل موتك اسلامك لكي تحظى بالجنة بكل تأكيد ,لطالما ستكون نهاية هذا المؤمن في الجنة فلا معنى لما يسمى يوم الحساب , الوصول الحتمي للمؤمن الى الجنة ينفي العقاب , لذلك لامعنى للحساب في هذه الحالة !.
افق التفكير الديني المتعصب المتزمت مفتوح على العديد من الاحتمالات , من اخطرها وأهمها الاستمرار في ممارسة العنف بأشكاله المختلفة في ظل التوحيد الفارض للحاكم الواحد الديكتاتوري الأبدي والنافي لامكانية تغييره , اي النافي للديموقراطية والمكرس للعنف والحروب ,التي لم تتوقف منذ ١٤٥٠ سنة ,وستستمر لربما لفترات طويلة .
هنا لابد من التنويه باختصارشديد الى النتائج المختلفة للحروب المؤسسة على التفكير الديني , ففي اوروبا مثلا كانت هناك حربا طائفية دينية استمرت حوالي ثلاثين عاما ,انتهت باصلاح ديني واقامة الأوطان الجديدة والانخراط في الحداثة , أما في هذه المنطقة فلم ينتج عن الحروب الطائفية اصلاحا دينيا ولم تقام الأوطان , ولم تمارس تلك الشعوب الحداثة , ألتي تختلف بشدة عن التحديث الاستهلاكي بريع البترول , في تفسير هذا التباين يمكن الاشارة الى نوعية التفكير الديني , لا أصل حقيقي للدولة في الدين في الثقافة الدينية الأووبية , هنك تم الصاق ” الدولة ” على الدين من قبل الملوك والأمراء ورجال الدين , بينما كانت ” الدولة ” من صلب التفكير الديني او الدين في هذه المنطقة , هناك سمح الدين للعقل بعد نهاية مجزرة العقود الثلاثة ان يصلح عن طريق اقامة الدولة المدنية ,لأن الدين هناك لم يملك “شريعة او تشريعا” , بينما يملك الدين هنا شريعة وتشريعا وأحكاما يتم بواسطتها تنظيم أمور الحياة في ادق تفاصيلها بمنهجية السلف الصلح ,الذي بلغ من العمر ١٤٥٠ سنة , في هذه المنطقة لم تعد هناك حاجة للعقل بوجود الفكر الديني المنظم لكل شيئ , هناك حكم العقل والتطور والحداثة , هذا كان الفرق الرئيسي بين هنا وهناك !
