سمير صادق, ميرا البيطار :
من يراقب أمة صلعم يموت غما ..أمة ترفض التفاعل والتشابك والتعليم, والتعلم من الأمم الأخرى , وكيف لها أن تتعلم , وهي خير أمة اخرجت للناس , وكيف لها أن تعلم وهي لاتجيد سوى استخدام السيف وتطبيق أحكام الردة وغير ذلك ,من ارتد يقتل !الأمة وحاملها الديني بقي منيعا ورافضا لانتاج ثقافات جديدة , ومموها لخوفه اللاشعوري من الاختراق , ومفضلا الاحتراق على الاختراق ,نزعة انتحارية ذات خلفية مرضية تسمى مرض المطلق, حيث يوضع كل شيئ في المطلق,حيث يجري لوي رقبة الواقع لكي يتأقلم مع المطلق , حيث تصبح العبادة هدفا ,وما خلقتكم الا لتعبدوني .. والتعبد أصبح تلقائيا استعبادا قاتلا لكل نزعة تحررية .
تعاني هذه الشعوب من أزمة حضارية وجودية , قادت الى تخلف متعدد الأسباب , أهم هذه الأسباب كان امتلاء الحياة بالدين وانتاج الانسان ذو البعد الواحد , ثم هيمنة الخطاب الديني الغيبي والاقصائي على المجتمع , وانتقال مواد هذا الخطاب حرفيا الى الفكر السياسي تحت مسميات أخرى معظمها قومي, سواء كانت الناصرية أو البعثية أو غير ذلك , هذه الحركات ارتدت جلابية مدنية , وما تحت الجلابية كان عار , هذه الحركات مارست مسلكيات ومنهجيات كانت في بعض جوانبها أشد بدائية من منهجية الخلافة القريشية , التوريث كان الفاعل الأكبر في انتقاء الخليفة , أما في معظم الجمهوريات التي ولدت بعد الحرب العالمية الأولى , فقد كان هناك ايضا توريث, ليس باسم الخلافة وليس باسم الملكية انما في ظل جمهورية شكلية , سلطان الجمهورية اراد السلطنة حتى الممات , ومن بعده كان على نجله الأول أو الثاني ان يصبح سلطانا “جملوكيا” مهما كلف الأمر ,حتى لو كلف ذلك وجود الوطن ,فالوريث كان أهم من الوطن.
للعديد من الأسباب الأخرى ىسقط المجتمع في الانغلاق والدوران حول نفسه ,مجتمع خاف من كل تطور , أي خاف من نفسه , لأن النفس تطورية وبدون تطور تموت,حتى في واقع التعددية كان هناك انغلاق , ذلك لأن التعددية كانت تعددية مكونات , اي تعددية طوائف , كل منها يمثل جماعة “منغلقة ” على نفسها ,الفرد لايتكلم ولا يعبر عن رأيه الشخصي وعن ضميره الشخصي , انما يتكلم بلغة الجماعة المنغلقة على ذاتها وبرمزية ضمير هذه الجماعة او المكون , الذي لم يكن حقيقة ضمير , انما مصالح تعبر عنها الزعامة السلطانية تحت اسم مستعار كان “القضية” , كقضية فلسطين مثلا, من أجل القضية يجب صناعة التوافق والانسجام بين مصالح زعماء المكونات , أي تحالفات من فوق ,دون توافق مكونات البنية التحتية او الجماعات مع بعضها البعض , اي بقاء المكونات منغلقة على ذاتها , انفتاح الزعامات على بعضها البعض كان مرحلي لمصلحة هذه الزعامات , كما حصل بين بشار وبين عبد الستاروغيره من رجال الدين .
في السياسة يتم التماهي بين الناس اي الأفراد , الذين ينطوون في أحزاب , فقدت بعد التكليف الشرعي (المذهب الحنيف يعتبر نفسه دين ودولة) وبعد اختلاط الدين بالسياسة , المعنى السياسي لكينونتها , استدعاء الدين لدعم الحزب كان بأجر تمثل بوجود الحزب , أي أنه لم يعد هناك حزب بعد تحول الجماعة السياسية الحزبية الى طائفة دينية, في طائفة الدين تتسرب السلطة من فوق الى تحت اي من السماء الى الأرض أي من صلعم الى العموم, وذلك بعكس النهج الديموقراطي حيث تصعد السلطة من تحت الى فوق , اي من القاعدة الى القيادة .
تحول الجماعة السياسية الى طائفة يعني اكتساب رأس الطائفة لخاصة القدسية , كما هو الحال مع المرشد الأعلى في جمهورية ايران الملالية , فالمرشد الأعلى الجالس فوق هرم القطيع معصموم عن الخطأ , لذا يصبح المساس به سلبا او ايجابا كفرا , معصوميته ليست ديماغوجية فقط انما برغماتية ايضا , اذ أنه المسؤول عن القضية والقادر على مواجهة العدو , الذي يجب اختلاقه عند عدم وجوده , والا يتحول المرشد المعصوم الى عاطل عن العمل, اياكم وتعطيل الخامني عن العمل , فتعطيله عن العمل سيتسبب في سقوط كل مروحيات الجمهورية! .
باختصار يمكن القول ان التخلف , الذي يجيع الشعوب ويدفعها الى التقاتل وممارسة الفساد وغير ذلك , كان نتيجة لتخلف العقل بالدرجة الأولى , وتخلف العقل كان نتيجة لاستعماره من قبل الدين ومن الفكر القومي المتنكص الى طائفة دينية ,في النهاية لابد من الاستقلال بعد الاحتلال , نريد الاستقلال ونخاف عليه , نخاف على الاستقلال الذي نتمناه ظنا منا اننا أهلا له لأن عقولنا حرة وبالتالي مقتدرة , ولكن ماذا لو كانت عقولنا ليست حرة ومقتدرة , عندها نخاف منه ,لأن الاستقلال عندها لايعني سوى استبدال المستعمر الخارجي بآخر داخلي أسوء من الخارجي , عندها نخاف منه , وتجربة القرن “الاستقلالي” الأخير تؤكد وجاهة الخوف من الاستعمار الداخلي , يا للكارثة ! , بعد قرن نسأل أين أنت يافرنسا ؟
