جورج بنا , ممدوح بيطار :
لامعنى ولا جدوى ولا فائدة من الادعاء بالانتماء الى خير أمة , الا اذا اعتبر المدعي بأن هذه الأمة متفوقة على الأمم الأخرى بخصائص جوهرية ,وعلى اعتبار الأمم الأخرى أقل خيرا من خير أمة , ومن أين سقط هذا الخير على هذه الأمة الخيرة ؟ هل هناك خصائص عرقية تميز بين المنتمي لخير أمة وبين المنتمي لأمة أقل خيرا , أمر خير أمة هو تمييز عنصري لأسباب عضوية ولادية أو مكتسبة , ولندع الولادي جانبا لكونه عصي على البرهنة , الأمر بقضه وقضيضه مكتسب , وهل لهذا الادعاء المغرور علاقة بولادة دين جديد قبل حوالي ١٥٠٠ سنة , فبدو الجزيرة لم يكونوا قبل قبل ولادة الدين خير أمة ,والدين الجديد هو الذي قدم ذلك التقييم الذاتي , اذن لأن الأمة محمدية تحولت الى خير أمة ومتفوقة على الأمم الأخرى .
الأمر ليس مجرد ثرثرة , فالظن بتملك خصائص متفوقة على خصائص الآخرين يترافق في كل الحالات مع ممارسات تبلغ قمة توحشها بالتطهير العرقي كما فعلت النازية , وذلك حفاظا على خير البشر ودفاعا عنهم من الشر الذي يتربص بهم , اعتمدت النازية في اعتبارها للعرق الآري خير عرق على خواص شبه علمية لاثبات الفوقية الآرية والصفاء العرقي , مثل شكل الأنف وعرض الجبهة ومقاييس الجمجمةالخ , وعلى ماذا اعتمد الدين الجديد في اقناع الناس بأنهم خير أمة ؟ , مع العلم بأنهم في ذلك الوقت المبكر بعد ولادة الدين لم يكونوا مؤمنين حقا الا بالنطق بالشهادتين وترديد عبارة لا اله الا الله …الخ , حتى أنه لم يكن هناك قرآن , والشعوب البدوية كانت شعوب أمية لاتقرأ ولا تكتب , وعلى فرض كانوا مؤمنين حقا وعن قناعة واستيعاب للدين , يجوز للمؤمن اعتبار نفسه كما يريد , ولكن لايجوز له ادعاء فوقيته على الآخرين , خاصة عند انتفاء معالم التفوق الموضوعية عنده .
هنا يمكن القول بأن ادعاء خير أمة , أي أفضلية هذه الأمة على غيرها , انما هو ادعاء خرافي وجنائي بشكل خاص , لكونه يحط بشكل غير مباشر من قدر الأمم الأخرى , لا يستقيم مفهوم خير أمة بمضمونه العنصري الديني مع الأخلاق , وحديثا لا يستقيم مع ميثاق الأمم المتحدة , الميثاق كرر وشدد أكثر من مرة على أنه “لا تمييز بسبب العرق أو الجنس (التمييز بين المرأة والرجل) أو اللغة أو الدين”,هناك أمما خيرة , ولكن لا وجود بالمقارنة لخير أمة ابديا , وحتى أن الأمة الخيرة قد تتعثر وقد تتحول الى شر أمة .
بغض النظر عن هزالة مفهوم خير أمة , يمكن اتهام من يتشدق به , بأنه يمارس النصب والاحتيال , وذلك من خلال محاولة الحصول على امتيازات سياسية واجتماعية واقتصادية ورمزية دينية, لأنه ينتمي لخير أمة , من الامتيازات العنصرية التي لاتستقيم مع القيم الخاصة بالدولة , عدم السماح أن تحكم خير أمة من قبل كافر ,ويجب أن يكون رئيس البلاد مؤمن بالدين الحنيف , ولا يجوز للمؤمن تحت طائلة عقوبة القتل أن يغير دينه, وعند زواج المؤمن من انسانة أو انسان ينتمي الى دين آخر , عليه أن يؤسلم, فتغيير الدين طريق وحيد الاتجاه .
يصر البعض على الاعتقاد بأنهم ينتمون خير أمة , ويتجاهلون أو بالأصح لايدركون عمق الاحتقار الذي يلصقه ذلك المفهوم بالغير وبدون موجبات موضوعية , فموضوعيا لايمكن القول ان أمة المحمديين خير أمة ومتفوقة على غيرها من الأمم, وفي العديد من البلدان المحمدية يمكن رصد أسوء أشكال الانحطاط والدونية ,يبدو أنه لا حاجة لخير أمة أن تتقدم , لأنها متقدمة بطبيعتها ,انها خير أمة , لأن نوعها الديني أفضل من غيره , (هذه النقطة مذكورة في قانون الأحوال الشخصية السوري بخصوص حضانة الطفل بعد الطلاق )
مفهوم خير أمة ضال موضوعيا ومتضمن لقدر هائل من الحط من مقام الآخرين , الا أنه من أكثر المفاهيم اضرارا بمن يرى نفسه أنه من خير أمة ,مفهوم معيق للتقدم والتفاهم , وقاتل للنقد الذاتي المسؤول شبه الوحيد عن امكانية التقدم , لا تتقدم أمة مخمورة بالنرجسية والانتفاخ والغرور والعنصرية والتصورات الخرافية بدون نقد ذاتي أو غيري , لاحاجة لخير أمة بالتقدم لأنها متقدمة بغيبيتها وتأخرها وتوحشها وعنفها وحروبها وادمانها على استنشاق غبار الجمل وصفين والردة وكربلاء وحروب الفتوحات والتكاذب على الذات, لوكانت الأمة حقا خير أمة لدفنت عثمان كما يدفن أي قتيل بلياقة , ولما ورثت الحكم للأبناء , ولما تفرقت الى فرق لاتزال تبحث عن الناجية منها , خير أمة لاتدمر الأوطان والغير يقتدي بها , ومن يقتدي في العالم بخير أمة , أمة قتلت مفكريها وفرخت معظم الديكتاتوريات في العالم , وفي ممارسة الفساد حصدت أعلى المراتب , خير أمة لا تتطفل على موائد العالم , خير أمة لاتمارس الارهاب الأعمى, ولا تناصب العداء لكل دول المعمورة تقريبا ..!
من حق وواجب كل أمة تجاه نفسها أن تكون جزءا من العالم , تشارك في صنع ثقافتة وبناء علمه , خير أمة هي الأمة التي تقدم الخير للغير , هي الأمة المنفتحة والممارسة للنقد الذاتي والمتقبلة للنقد الغيري , الأمة الخيرة ليست خير أمة , الأمة الخيرة هي الأمة المهذبة التي لاتنتقص من الغير وترفض همجية مبدأ الولاء والبراء, الأمة الخيرة لاترفض “التلوث” بالغير ولا تعتبر التداخل الثقافي خطرا عليها , التداخل الثقافي هو انقاذ لأي أمة من نفسها , تاريخ خير أمة تحول الى عبئ عليها , يركبها ويجهدها ويدمرها, تتحطم الثقافة وأي ثقافة تحت ثقل نفسها الجامد .
لاتحتاج خير امة الى دين جديد ولا تحتاج الى تجديد الدين , تحتاج خير أمة الى الوقوف خارج الدين الذي اعماها لافراطه في اليقينية وفي الاحتيال على الله ,يقين مفرط مضافا الى عقل كسول هو ترجمة للكارثة !!
Post Views: 615