انقاذ الثقافة …من التنقيل الى التحليل !….
لفتت انتباهنا صورة نشرها صديق عن مدارس التحفيظ , الملفت للنظر كانت تلك الرتابة في جلوس الأطفال , ثم طاولات التحفيظ واللباس الموحد والقبوعة الموحدة والنظرة الموحدة البائسة , ثم مقاربة كل ذلك مع جهود لتدمير العقل وتدمير الطفولة , استحضرنا صورة أخرى من تراث داعش , صفوف باللباس البرتقالي برتابة ونظرة الخوف الواحدة ثم اطلاق النار على الأجساد , فجأة هدوء وصمت , فلسان الميت لايتكلم وحنجرته لاتصرخ , بالرغم من المبالغة في تشبيه مصير أسرى داعش مع مصير عقول هؤلاء الاطفال يبقى القتل ويبغى الاغتيال واحد وافناء الانسان واحد أيضا .
لقد تطورت أساليب التدريس في المدارس عالميا باتجاه التحليل بدلا من التنقيل,وبالرغم من هذا التطور العالمي , لاتزال المدارس العربية وحتى الجامعات تنقل ولا تحلل, وبالنسبة لتحفيظ النصوص فالأمر سيان ان كان للتحفيظ أصل في الدين أو أنه لا أصل له في الدين , فالتحفيظ عن ظهر قلب يبقى اسلوبا سيئا لكونه مدمرا للعقل كأي تحفيظ آخر , فالتحفيظ يدمر العديد من معالم شخصية الطفل وأولها خاصة النقد , اضافة الى ذلك لم تعد هناك حاجة للتحفيظ ,فالمعارف لم تعد شفهية ,هناك الورق والمطبعة والكومبيوتر ,ولم تعد هناك أي حاجة لاجهاد الذاكرة في حفظ مواد يمكن حفظها في جهاز بسيط ,لانشجب التحفيظ لكونه عادة دينية سيئة ,انما لكونه مدمرا للعقل والنفس كأي تحفيظ آخر, وضرره على تكوين شخصية ناقدة بناءة دائم وعميق .
التحفيظ يعني حشو الرؤوس بمواد ولو كانت جديدة فستصبح يوما ما ماضوية قديمة , ثقافة ومعارف ماقبل 1400 سنة هي بدون أي شك قديمة ولم تعد لها صلاحية في الحاضر,خاصة في المستقبل , يحشى العقل بمواد تراثية فاقدة الصلاحية تمنع دخول مواد عصرية جديدة اليه , وذلك لتناقض وتضارب مدلولات المواد القديمة مع العصرية , هنا تصطدم المثاليات القديمة مع الجديدة , بحكم الاعتياد والنفور البدوي من الجديد والقناعة المسبقة المترسخة ثم الكسل العقلي والاتكالية والمقدس والقدرية ينتصر القديم على الجديد , استمرار انتصار القديم وانحسار الجديد يحول الانسان الى حجر همه الوحيد هو البقاء كما هو .
يتم التحفيظ بلغة كتاب الصفحات ال ٦٠٠ ,يقولون ان في التحفيظ تقويم اللسان بلغة من الصعب فهم مدلولاتها المجازية وصورها ,حيث لكل عبارة تفسيرات متباينة ومختلف عليها من قبل الفقهاء ,تقويم اللسان يعني تمكن الانسان من لغة النصوص ,وماهي فائدة التمكن من لغة النصوص عندما لايمكن استخدام هذه اللغة في الحياة اليومية …تصوروا جريدة مكتوبة بلغة النصوص أو دردشة بهذه اللغة !, فمن يتمكن من فهم ماكتب أو ماقيل ؟؟ , لذا يمكن القول بأن تقويم اللسان تحول الى اعوجاج اللسان ,لسان لايتمكن من نطق ما يمكن فهمه بالسرعة الكافية والوضوح الكاف هو لسان أعوج !,يحتاج المجتمع, الذي يهمه التقدم لعقول تتطلع الى الأمام وليس لرؤوس محشوة بثقافة الماضي ومليئة بما هو ضار حاليا التحفيظ عن ظهر قلب للأطفال لايترك في عقل الطفل مساحة لشيئ آخر عقله نصي شكلي خال من خاصة التحليل ومروج لمثالية قديمة لم تكن مثالية , وغربة وبالتالي الى انعزالية ثقافية وموت ثقافي ,فالثقافة الحيوية هي الثقافة التفاعلية والتي تأخذ وتعطي وتتطور وبالتالي تدوم !
يغرس التحفيظ في نفوس الصغار تقديس الماضي , فيصبح الماضي على علله المثل والقدوة والنموذج , أنه مقدس لذاته , وهو أمل المستقبل , وهذا هو الخطر الكبير ,فالمجتمع الذي يريد التقدم يحتاج الى للتوجه الى الأمام والتطلع الى الغد بدلا من محاولة استحضار الامس , بالتحفيظ يتم انشاء عقول ميتة انصياعية للزعيم أو الخليفة كما كان الأمر قديما , انظمتنا خلافة بدون خليفة , ولكن بالديكتاتور والشيخ خلفاء الخليفة!
Post Views: 442