ثقافة الموت وسيكولوجيا العسكر …..

يحيى  السعيد:

عن ثقافة الموت و سيكولوجية العسكر و البحث عن معنى للحياة في القتال

لو لخصنا المراجعات الكبرى لأحداث حماة في عهد الأسد الأب، لكانت جملة “سبق سيف العسكر لسان السياسي” كفيلة بتلخيص المأساة، وفيها دلالة لأزمة العنف في المجتمعات المتفاعلة مع التغيير، ولكن لماذا ينحاز العسكر إلى القول حيث لا يجب أن يقول؟ وبعبارة أخرى، هل للعسكر ضرورة لازمة في حل الأزمة، أم أن الأزمة ضرورة لازمة لبقاء العسكر؟

ربما نقترب أكثر إلى الفهم عندما نفهم سيكولوجيا الثكنة العسكرية، فبينما نرى ظاهرها الرحمة يكون باطنها العذاب، وبمعنى من المعاني فبينما نرى أنها تعمل على حل الأزمة تكون هي تسعى في الحقيقة على تغذيتها، هل تظن أن الكتائب المجندلة والتي باتت تسير في الشوارع كآلهة فوق النقد تستطيع أن تندمج في حياة مدنية لا كلمة لها بعد أن كانت كل الكلمة، ولا حجيج إليها بعد أن كانت كل الكعبة؟

خبرتُ أناسًا باتت حياتهم لا تنفصل عن بزتهم العسكرية، يحملون شعارات تلهب عواطفنا كانوا قد التزموا بترديدها لأنهم أبناء مدرسة دعوية ابتداءً، وكانوا يقولون أننا لا نبتغي القيادة وأنها تكليف لا تشريف، وأن الأصل بيننا أنّ المؤمن كالغيث أينما وقع نفع، وعندما ادلهمت الأيام وجُرّدوا من رتبهم العسكرية، أصبحوا فراغًا بعدما كانوا كل الملأ، فلم يعودوا غيثًا ولا حتى قطرات مطر..!
كنتُ أنضج مع الأيام وتنضج معي فرضية ضبطتها في رأسي منذ الصغر، ماذا لو تحررت فلسطين في الغد وتحللت تلك المؤسسة العسكرية، أوَ هل يقبل الفرسان بحياة المدينة بدلًا من حياة البرية؟
ظننتُ في البدايات أن السلاح للجهاد، وأنه لسبب يزول بزواله، حتى رأينا من التجارب وقرأنا عن أخرى، أن ثمة تلاحم عضوي يكبر مع الأيام في جسد العسكر، حتى تصبح معنى الحياة مرتبطة بمعنى القتل والتشرد والتدمير “مفردات الحرب”.!

الآن أعود بذاكرتي للوراء قليلًا، وأقف دون دهشة كبرى مع حدث كنتُ شاهدًا عليه بحكم “شخصي”، فبعد انسحاب إسرائيل من غزة، طرح أحد قيادات الحركة ورؤسها فكرة شابت لها رؤوس الذين رضعوا الأيدلوجيا الدينية والسياسية حق رضاعة، وقال يومها “أقترح بأمنية أن نوقع هدنة مع إسرائيل طويلة المدى لا تقل عن 50 عامًا ونبني غزة حضارية بالعلم والسلم” وكملها بمقولة المفكر خالص جلبي في الحرب الأخيرة “أقترح على غزة أن تقذف سلاحها في البحر”

لا ريب أن كلا العملاقين نالا من السب والقذف بوزن ثقل افكارهما الصادمة، ولكن الذي أعادني بالإشتغال مع الحدث، لماذا يحافظ العسكر على فوضوية الوضع ودمويته؟

أعود بربط السؤال مع إجابة غريبة على الأذهان وأستعير حرب البسوس بالضرورة، كان الزير سالم يستطيع الثأر بقتلة جساس منذ البدايات ولكنه كان يُقصّر يديه عنه، وكان الجميع حوله يشك في هدفه بالثأر “الهدف الإستراتيجي” وتحويله إلى هدف إطالة عمر المعركة، حتى استمرت بالفعل 40 عامًا، ولما كان يسير الزير منكسرًا بعد طول السنين، أجاب على سؤال القوم وهو ذاته سؤالنا الذي نشغله وقال “كانت حياة طويلة، ولو كانت الأيام مرفهة لكانت الحياة مُملة”!!

إنه التحول من الثأر إلى توقيد النار، تمامًا كما هو تحول العسكر الذي يرفض مشاريع قد تُنهي الصراع، فيتحول من هدف التحرير إلى هدف إطالة عمر المعركة، فهو لا يتصور نفسه خارج سلطة السلاح يومًا، وهي اللحظة التي يجب أن تكون عندما ينتهي الصراع بحل من الحلول الممكنة!

إنها اللحظة التي يجد فيها العسكري معنىً لوجوده في الحياة، بفقدانه يفقد الحياة ويملها، أو هي العدمية من جهة أخرى ونحن نظنها الجهاد في سبيل الله أو المقاومة لتحرير الأوطان؟!

لذلك كانت الشباب في خارج فلسطين تتوق للجهاد، لانها في العمق لا ترى معنىً في السلم والنهوض، ولا ترى التخلف تحدٍ يشغل الأمم ويستفز الهمم، فإما حياة مليئة بالحِراب وإما فلا حياة لنا، ولهذا رأينا المليونير أسامة بن لادن يتغنى بحياة الكهوف على حياة التخوت، وأيمن الظواهري يتخلى عن شهادة الطب ليتحصل على شهادة الموت، وعشرات من المهندسين والأكفاء يبحثون على حزام ناسف أو طيارة منتحرة أو معركة مشتغلة ولو كانت في الشيشان أو أفغانستان.!

إنها ثقافة الموت وسيكلوجيا العسكر، فأي أمل نرجوه من غزة التي سبق فيها السيف القلم، وغنت بكل افتخار “السيف أصدق أنباء من الكتب” وقالت لا صوت يعلو فوق صوت البندقة حتى حفظها الطفل ومات عليها الشيخ، وباتت العسكر تكسر كل الحلول وتخترق كل هدوء وتخون كل دعاة اللاعنف واللاحرب.! 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *