ممدوح بيطار :
لاتهتم العلمانية بالأديان , الا من ناحية الحرص على استقلالية الدين في المجال الديني وحماية الدين من الاستغلال السياسي ,ثم حماية السياسة من الاستغلال الديني , العلمانية حريصة جدا على حرية الفكر وحرية الفرد بشكل لايتعارض مع حرية الآخر , العلم يزدهر والخرافة تندثر في الجو العلماني مقارنة مع الأجواء الغيبية التي تزدهر بها الخرافة ويندحربها العلم , كما تظهر المقارنة بين شرقنا وغربهم وبين علمائنا وعلامئهم.
العلم بالمعنى الحديث لمفهوم “العلم ” ضعيف جدا عند هذه الشعوب , التي لاتعرف الابتكارات الحديثة , الا انها نستهلك منتجات العلم بشغف , واستهلاك منتجات العلم يتم أحيانا بأشكال مخجلة وقبيحة , كأن يستخدم عالم من علمائنا الأفاضل منتجا علميا كشبكة التواصل الاجتماعي من أجل الترويج للجهل والخرافة.
اما عن تهمة ازدراء الأديان , فلم يبرع به أحد كما برع الاخونج به ,الاخونج خاصة السوريين منهم من أحط أشكال الاخونج السياسي, مقارنة مع التونسي أو اللبناني أو السوداني أو المصري أو المغربي ,يزدرون ويهددون الكفرة بجهنم وغضب الله المدمر ويحللون هدر دمهم , فالتكفير هو ازدراء للدين بامتياز, والتخوين هو ازدراء للانسان بامتياز , الاخونج يمارس ازدراء واحتقار وتكفير وتهديد أكثر من مليار ونصف لاديني أو ملحد في العالم , مع العلم بوجود فروق نوعية كبيرة بين مليار ونصف ملحد وبين مليار ونصف مؤمن من ناحية المعرفة والثقافة والفكر والأنسنة .
الالحاد خيار شخصي وقناعة شخصية في كل الحالات , بينما الدين شبه ولادي لايخضع للخيار الشخصي في كل الحالات , مقابل أكثر من مليار ونصف ملحد عن خيار وقناعة ويقين في العالم , لا وجود لعدد مشابه من المحمديين عن قناعة ويقين, فالانتماء للدين ليس خياري أو طوعي, هناك من يدعي لربما مبالغة بأن نسبة كبيرة من الذين يعتبرون نفسهم مؤمنين ليسوا مؤمنين (محمد عبده) , المؤمن المحمدي في ماليزيا ماليزيا علماني حقيقة ومحمديته شكلية , كذلك الأمر في تركيا , الا أن علمانية تركيا مختلفة بعض الشيئ عن العلمانيات الأوروبية , العلمانية التركية لاتفصل الدين عن الدولة , انما تضع الدين ورجال الدين تحت الاشراف المطلق المباشر للدولة , وفي هذا السياق نجحت تركيا نسبيا , في الوقت الذي نجح به الاخونج والقوميون العرب في تدمير الأوطان .
من يمارس احتقار وتهديد الغير يزدري الغير أي الانسان , ومن يتكلم عن الذميين , كما يتكلم المشايخ يزدري الذميين , ولا يحق له أن يشكو من ازدراء الغير له ولدينه , ليس في كلامهم ازدراء فحسب , انما عنصرية تعاقب قوانين معظم دول العالم على ممارسها , لاشبه بين المشايخ والاخونجي , الذي يحرض على قتل العبريين والذميين اسبوعيا في خطب الجمعة, ودائما في الفتاوى والمواقف , وبين من يحارب الاخونج , فمحاربة الاخونج هو أمر سياسي يخص الدفاع السياسي عن النفس , الذي يعتدي الاخونج عليها , ويحاول تقييدها بقيوده وشرائعه وأحكامه وقسرها بمقدساته , ثم التسلط عليها سياسيا بمرجعياته الدينية , وذلك عن طريق تدخلات الاخونج السياسي في كل جوانب الحياة ,من قوانين الى أحلاف وعلاقات سياسية في ظل مفهوم الولاء والبراء , ومفهوم الأمة المؤمنة العابرة للحدود الدولية .
تحولت هذه المجتمعات الى تجمعات بشرية تجرجرها منظومات تراث متحفي ماضوي , يعتمد على ممارسة العداء لباقي البشرية , ويعيق التلاقي الثقافي والسياسي والاجتماعي مع الغير , والأهم من كل ذلك تلك الضدية الضارة مع مبدأ المعاصرة ومفهوم العلمانية , التي فهمها الاخونج على هواه وبناء على تصوراته , وليس بناء على حقيقة وكينونة العلمانية, التي فضحت الاخونج وعرته وبرهنت عن فشله , وذلك في فترة قياسية في قصرها .
