ممدوح بيطار :
يتعرض كل طرح وكل نقاش الى مداخالات لها صفة مميزة , تتعلق بالتمحور حول الدين وبرؤية كل أمور الحياة من منظور ديني , ثم تقييم الشاردة والواردة عل أساس الشعور بالعداء للدين ,والحقد عليه , ومحاولة سلب المؤمن دينه وابعاده عنه , وحتى الادعاء بعدم وجود ذكر للثقافة والمثقف في الأدبيات الدينية المحلية أو عدم وجود ذكر للوطن والمواطنة في هذه الثقافة يعتبر هجوما على الدين , مع العلم بأن هذه المفاهيم جديدة ولا يمكن لها أن تكون موجودة في التراث قبل ١٤٠٠ , الهدف من التنويه الى عدم وجودها في تلك الأدبيات كان البرهنة على حداثة هذه المفاهيم وما يرتبط مع حداثة هذه المفاهيم من صعوبات في تعريفها,يشعرون وكأنهم متهمون , مع أن ما يقال لايمت للاتهام بصلة . تتكرر ردات فعل من هذا النوع يوميا بنفس النمطية ونفس الخلفية ونفس الهدف ,نبرر احيانا تلك الارتكاسات بالحساسية المفرطة أو غير ذلك من التفسيرات الشعبية , الا ألامر ليس شعبي وليس ساذج أو هامشي بهذا الشكل الذي يراه البعض , انما هو تجسيد لحالة مرضية تسمى ” الهوس الديني” , الذي يتصف بالعدديد من التمظهرات , منها الارتكاس بزيادة مفرطة في الشعور بواجب الدفاع عن الدين , الذي يمثل غايتهم ومضمون حياتهم , وكأن الدين هدف ومصير , ثم الارتفاع الشديد في الاصرار على الانصياع لمبدأ عدم التعرض للمقدسات , التي يعلنوا عن قوائمها حسب الحاجة وحسب توجهات الفقيه , او الخوف المفرط على حياة المصاب بالهوس الديني , وخاصة الخوف على مستقبله في الحياة الآخرة ,
يعود انتشار الهوس الديني للعديد من العوامل منها التدين العشوائي , الذي يجعل التفريق بين المظاهر الدينية العادية , وبين مظاهر الهوس الديني بمنتهى الصعوبة, التدين العشوائي يعني التمسك بالقشر دون اللب , وبالمظهر دون الجوهر , وبالطقوس بدون ناموس , التدين العشوائي هو نتيجية لانتشار الخطاب الديني العشوائي , كل على “كيفه” !!!! , هناك عالم الذرة الذي يتحدث عن علم الذرة بمستوى علمي عالمي , وهناك علم ذرة زغلول النجار , الذي لايفرق كثيرا بين كسر الجرة وشطر الذرة.
يتصف الهوس بكونه ادراك باحدى الحواس , دون وجود مسبب واضح لهذا الادراك , كادراك وجود ازدراء الأديان , دون ازدراء , أو الشعور بالحقد دون وجوده , أو الكره دون وجوده , أكثر الخواص النفسية تشجيعا لتكوين هذه المشاعر هي ضالة “العظمة” , لأن ضالة “العظمة” لاتسمح للقزم تقبل القول بأنه صغير, الشعور بالعظمة هم الدافع الى تصنيف أي نقد أو حتى تنويه لأي ضعف على أنه باطل , وبالتالي مصدره تشوه في شخصية الناقد , لذلك فالناقد حاقد وكاره , والعظيم عظيم أو مقدس وبالتالي غير خاضع للنقد وعظمته لاتخضع للشك .
الرسالة “عظيمة” والدين “عظيم ” , للعديد من الاسباب, منها كون الدين هو دين الله, وكأن الله نطق بالشهادتين أمام الشيخ الشعراوي , الله مؤمن بنفسه , وايمانه كان على يد ابن عبد الله حصرا , العظمة لاتتقبل النقد , انها فوق النقد , انها أعظم من أن تنقد , لذلك تشعر العظمة بالاضطهاد بمجرد القول ما أحلى الكحل بعينها , العظمة كاملة الأوصاف وترجمة للكمال , لذلك فان من يتعرض لها , هو عادة متآمر مع المخابرات الصهيونية وعميل للشر الأكبر أمريكا , لايعقل أن يكون كلام الناقد صحيحا , انه افتراء ودجل وكذب حتى قبل التعرف عليه , العظمة هي شعور معظمه تصوري , يتصورون بأن الصفحات ٦٠٠ تتضمن كل شيئ عن الحياة الدنيا والآخرة , كاملة وشاملة لكل شيئ , علم اجتماع وعلم ذرة وعلم رياضيات وعلم سياسة الخ ثم الأهم من كل ذلك علم حروب وغزوات , وكلها صالحة لكل زمان زمكان ,ولاتحتاج الانسانية لأكثر مما جاء في كتيب الصفحات ال ٦٠٠ .
العدائية التي يمارسها شخص ضد شخص آخر بدون سبب شخصي هي عدائية مرضية , وهي أحد أهم تمظهرات الهوس الديني , تتشكل عادة في اطار مايسمى الفعل الجماعي , الذي يقسم المسؤولية عن الفعلة على المنفذ وهو الارهابي مثلا , وبين خلفيته الفكرية , التي تعتبر الفاعلة الحقيقية والتي تتحمل معظم المسؤولية عن عملية الاعتداء الارهابية , كل ذلك يتم في اطار تدجين وتنشأة مايسمى “المؤمن الأعلى “, والمثال على ذلك قاتل فرج فودة وقاتل ناهض الحتروالعديد من الاغتيلات الأخرى , لايعود الاضطراب في هذه الحالة الى الشخص بالدرجة الأولى , وانما الى الخلفية الفكرية , وهذه الخلفية تعود الى النص وما يفرضه هذا النص , وكيف يتمكن النص من تبرئة نفسه عن طريق الأوجه المتعددة (حمال أوجه ) , نص للقسوة ونص للشفقة ولكل مايريد.
تعود العدوانية بشكل عام الى العديد من الأسباب منها موضوع خير أمة , اذ لايتقبل الغير اصرار المؤمن على انه خيرا منه , ولا يتقبل المؤمن اعتبار الآخرمساويا له ….وهل يتساوى المؤمن مع الكافر! ,لذا فان العداء مبرمج وحتمي , كل محاولة من قبل الآخر بقصد الغاء هذا الاستعلاء تفسر بانها اعتداء ويعتبر الآخر تلقائيا عدو , انه عدو بطبيعتة لأنه لايؤمن كما يؤمن المؤمن , لذا على المؤمن قتاله وقتله ان وجب أو أمكن.
هناك العديد من التصرفات التي يمكن تفسيرها ب “الهوس الديني” الذي يتميز بالتمركز المطلق حول الدين , ثم تقبل استلاب الدين لشخصيته وتعطيل الدين لعقله , والالتباس حول مقام ومهمة الدين , هل الدين غاية أو وسيلة , وهل يحيى الانسان بالدين أو أن الدين يحيى بالانسان ؟, أسئلة كثيرة لابد من محاولة الاجابة عليها !
