مبرا البيطار , سمير صادق :
يعني التشييئ ببساطة اختزال قيمة ووجود الانسان الى مرتبة الشيئ الذي يشترى ويباع , انه تبخيس لوجوده وتنكر لانسانيته قبل تحويله الى مجرد مادة استهلاكية , واذا كان الدين متهما بتبخيس المرأة فهذا لايعني نظريا استفراده واحتكاره لهذه الخاصية , لذلك لابد من البحث عن منابع أخرى لهذا التبخيس!.
غيرت الحداثة ثم العلمانية أوضاع المرأة بقدر تباين وضعها في الغرب مقارنة مع وضعها في الشرق ,تتسم مرحلة ما بعد الحداثة بحرية تسويق واستهلاك كل شيئ بآلية خلق الحاجة وليس تغطية الحاجة , لانشتري بنطالا لأن البنطال القديم ممزق, انما لأن لون البنطال الجديد هو “الموضة”والموضة تتغير كل فصل من فصول السنة ,قدمت الحداثة للمرأة الكثير بما يخص استقلاليتها ومساواتها وحريتها , فهل ستنقلبب مرحلة مابعد الحداثة على الحداثة أو أنها ستكون استمرارا وتطويرا لها ؟؟.
ينفي تشييئ المرأة وجودها ككيان إنساني مستقل ومساوي بقيمته وكرامته وحاجاته لغيرها خاصة للرجل , التشييئ يحول المرأة الى مادة جامدة مختزلة الى مرتبة الشيئ فاقدة للخصوصية والاستقلال والارادة , وعن ذلك قالت نوال السعداوي : ” تعيش المرأة التناقض الاجتماعي بحدة , يجب أن تكون باردة عفيفة طاهرة لا تحس الجنس ولا تطلبه , يجب أن تكون أداة متعة لاشباع زوجها جنسيا حتى الثمالة,جسدها عورة يجب إخفاؤه بمقاييس الأخلاق, جسدها مباح ويجب تعريته بمقاييس الزواج التجاري والاعلانات عن البضائع, ولا أظن أن هناك إستغلالا أشد من هذا الاستغلال ولا إمتهانا أشد من هذا الإمتهان الذين تعيشها المرأة,فهي فريسة بين قوتين متنازعتين متضاربتين كقطعة لحم بين فكين ضارياتين ,وكل هذا طبيعي في مجتمع فقدت فيه المرأة مكونات شخصيتها وأفرغت من إنسانيتها وتحولت لشيء أو أداة, فهي تارة أداة للاعلان وهي تارة أداة للشراء والاستهلاك، وهي تارة أداة للإمتاع وخدمة الشهوات, وهي تارة وعاء للأطفال بختصار خادمة في النهار وجارية غير مأجورة في الليل .
عن مابعد الحداثة لانعرف الكثيرحتى الآن , لكن هناك بعض الشبهات التي لاتطمئن بشكل عام ,فثقافة الإستهلاك الى الهلاك ضرورة رأسمالية , الا أنها ليست بالضرورة حاجة انسانية , ما بعد الحداثة تخاطب الغرائز المستهلكة .. ,والبعض يرى بأن المحمدية قد قفزت قفزة واحدة وانتقلت من الكهف الى الكوكبة اي الى العولمة وبالتالي الى مرحلة مابعد الحداثة , فهناك من يزعم بأن المحمدية المشييئة للمرأة توازي تشييئ مابعد الحداثة للمخلوق البشري عن طريق تحويله الى مادة استهلاكية تشترى وتباع .
يدعون بأن خلق المرأة المحمدية الجديدة والتي لاتتساوى بالشيئ , يتم بمحاربة موجة التحرر الجنسي للمرأة وما يسموه الاباحية الجنسية , التي لايدركون دلالاتها , يريدون منها العودة الى البيت والالتزام بما يسمى العفة, وكأنه ليس للذكر عفة يلتزم بها !!!!! , ثم الامتناع عن مخالطة الجنس الآخر , وارتداء الحجاب لكي لاتتحول الى مصدر لاثارة شهوات الذكور والفتنة , فالمرأة المحمدية الجديدة تتمثل بالدرجة الأولى بكونها مصانة الأعضاء التناسلية , وهذه الصيانة ضرورية من أجل خصخصة توظيف الأعضاء التناسلية لهذه الأعضاء ,والابتعاد عن التوظيف التجريبي , فلكل امرأة تجربة واحدة لاغير , ومع رجل واحد لاغير ,اما الذكور فمن المسموح لهم تعدد التجارب حتى بالاغتصاب .
يدعي بعض الاخونجية وجود تشابه بين تشييئ المرأة رأسماليا في مابعد الحداثة وبين حالة المرأة المحمدية الحديثة ,لكن فات على نباهة هؤلاء بأن هذا التشبيه يمثل اعترافا غير مباشر بأن المرأةالمحمدية الحديثة حسب تصوراتهم مشيأة ايضا , وبأن موجة خلق الاستهلاك في مرحلة مابعد الحداثة لايعني أن المرأة حصرا قد تحولت الى مادة استهلاكية , بالرغم من كون مابعد الحداثة تستهلك كل شيئ حتى المعرفة , الا أن فلسفة استهلاكية مابعد الحداثة تختلف جوهريا عن فلسفة الاستهلاكية المحمدية !, مثلا فات على نباهتهم الفرق الكبير بين التعري والتغطية , حيث أن التعري يتم بناء عل ارادة شخصية وبذلك في جوهره تحرر , وبأن التغطية بالحجاب والنقاب يتم بناء على ارادة خارجية كالارادة الدينية , وهذا في جوهره قسر واستبداد واملاء , لاصحة لمقولة ..هناك من يعريها ليسوقها , فالتعرية أمر طوعي , بينما التغطية أمر قسري!.
المرأة محمديا فرج له جسد , وفي مابعد الحداثة المرأة جسدأ له فرج , والاخونجية لايدركون الفرق بين الحالتين ,خاصة بالنسبة لحالة العقل , الفرق شاسع بين الحالتين ويبدو وكأن العقل ضامر أو غيرموجود عند تحويل المرأة الى فرج مع ملحقاته أي الى حالة مشوهة لطبيعة المرأة , الجسد بفرج هو أمر طبيعي , ومن طبيعة الانسان امتلاك عقل , والدلالة على ذلك هو وضع المرأة مقارنة مع وضع الرجل في كل من المجتمعات المحمدية ومجتمعات ما بعد الحداثة , فالمرأة في مابعد الحداثة تمثل نصفا استهلاكيا وانتاجيا وليست ملحق طفيلي , لاوجود لأي تطور في مجتمعات الحداثة وما بعد الحداثة لايلتزم بأمر المساواة بين المرأة والرجل , لابل هناك في العديد من الحالات اجحاف بحق الرجل الذي تحول من ظالم الى مظلوم ,تحولت المرأة في مجتمعات الحداثة الى فاعلة أساسية وفي بعض الحالات فاعلة رئيسية في هذه المجتمعات , ولا وجود لقوة يمكنها اعادة المرأة الى صيغة المفعول بها ونزع صفة الفاعلة عنها في مجتمعات مابعد الحداثة ؟؟؟.
