لاتحتاج الأنظمة العربية الى عوامل اسقاط خارجية ,ان كانت اقليمية أو عالمية , وهذا الأمر ينطبق على كل الدول من المحيط الى الخليج ,جمهوريات ومملكات وجملوكيات , جنين “السقوط” متواجد في رحم هذه الكيانات , وولادة الجنين كانت متأخرة في الكثير من الحالات , أحيانا كانت هناك ضرورة الى عملية قيصرية دامية , احيانا حدثت الولادة بنوع من السهولة والتيسير , كما كان الحال في تونس ومصر , والوليد اختلف من دولة لأخرى , انثى أو ذكر مشوه أو مريض أو صحيح الجسم ,كل ذلك كنت له علاقة بالظروف المحلية الداخلية والخارجية لكل دولة وكل كيان .
عوامل سقوط النظام السوري تمتد الى الماضي , حين عاكس الراحل حافظ الأسد التاريخ وتطوره , ومثله فعل أيضا عبد الناصر والقذافي وصدام حسين والبشير وغيرهم , لقد أدخل عنصر عبادة “الشخص” في قائمة ممارسات الشعب , بل وضع ممارسة عبادة “الشخص ” في مقدمة الممارسات , وبذلك حقق مايصبو اليه , وهو ترسيخ حكم عائلي مطلق لفترة طويلة , وبالتالي تحولت سوريا الى مايشبه مملكة , نجح التوريث بها في غفلة من الزمن وفي حالة من عدم اليقظة والادراك عند معظم أفراد الشعب السوري , لم يدركوا مخاطر التوريث, ومارسوا عدم المبالات وكأن أمر البلاد لايهمهم , تتهم العائلة بأن أمر البلاد لايهمها , ولكن هل اهتم معظم الشعب بأمر البلاد ؟
من أجل نهوض العائلة سلطويا واقتصاديا وهيمنة ,كان على البعث المركوب أن يضمحل ويندثر ويتلاشى , قتلت ايديولوجية وأدبيات البعث واستبدلت بأقوال شخص الرئيس , استبدلت ابدية البعث بأبدية الرئيس , كذلك كان حال العراق , أصبح قدم الرئيس أكبر بكثير من حذاء البعث , البعث أصبح ملحقا كالزائدة الدودية , تحول الحزب الواحد الى الشخص الواحد ,وجد هذا التحول له حاضنا في الدستور , الذي الغى البعث عمليا ووضع الدولة من أقصاها الى ادناها بيد الرئيس , الذيحكم بمساعدة كتائب الأسد المسلحة , التي يمولها الشعب السوري مجبرا ,الى متى ؟ لا أحد يعرف ! الا أن التجارب المشابهة تشير الى قرب النهاية ,هكذا كان الأمر في الاتحاد السوفييتي وغيره من دول أوروبا الشرقية ,ليس الشعب هو المؤثر الأساسي في السقوط , النظام هو المسبب الأول لسقوطه .
ظن الأسد الابن عام ٢٠٠٠ على أن الاصلاح ممكن , وظنه هذا تأسس على عدم ادراك وفهم واقعي لبنية السلطة ,التي تسلم زمام أمورها , ضعف هذا الفهم مستمر الى يومنا هذا , الا أنه يتناقص بسرعة كبيرة , تحول الأسد الابن من واعد بالاصلاح الى متوعدا به ,كأبيه عينك… عينك كل شيئ ممكن الا الرحيل , ولتنقرض سوريا عن بكرة أبيها ,لا رحيل مهما كلف الأمر , وعند فشل الخطة A تأتي الخطة B , من لايستطيع أن يبقى رئيسا لسوريا , يستطيع أن يصبح رئيسا لدولة الساحل , وأين المشكلة بذلك ؟ .دولة عاشت من عام ١٩٢٠ الى عام ١٩٣٤ , ولم تخرب الدنيا , والكادر القديم الذي عاش متطفلا عند الأسد الأب , تحول الى حاضن للأسد الابن , لاجديد في الدولة , التي تطورت الى نظام الجملوكية .
كل عوامل السقوط الأخرى انبثقت من حالة الشخصنة , الدولة تحولت الى مزرعة , ارادد المزارع الأكبر السيطرة على كل شيئ بها , مختذلا جهازه الاداري الضروري بشخصه , انها مزرعة خاصة يملكها شخص ويديرها شخص .
لكي تسير الشخصنة والخصخصة بيسر , كان لابد من التأليه , ولا بد من القيام بطقوص التأليه , التي تتضمن التقديس والتبخير والتملق والانبطاحية وغير ذلك , وهكذا تحول الشعب من فاعل الى منفعل ومفعول به , ومن فعل به كانت أجهزة الأمن ,التي أجهزت على العقل والسياسة والحس بالسيادة , الشعب الذي لايسود , لايعمل ويصبح سلبيا , وسلبية الشعب هي التي قضت على معظم كيانات الدولة , الشعب تحول لاشعوريا الى انتقامي , يخرب المرافق العامة عمدا ,من زجاج نوافذ المدرسة الى الأملاك العامة ,الى التلفون العام الى القاء القاذورات في الشوارع والى الانخراط في أتون الفساد ,لقد تمدد الفساد ليصبح ظاهرة شعبية , ولم يعد حالة استثنائية , وكيف يمكن لدولة أن تزدهر في ظل ممارسة واحدة هي الفساد ؟ .
لايمكن لدولة أن تزدهر في ظل الفساد ,الا أنه من الممكن لعائلة وزبانيتها أن تزدهر في ظل الفساد , خاصة اذا كان البعد الوحيد لخاصة “الازدهار ” هو الاثراء , في هذا الخصوص لايمكن القول على ان العائلة فشلت , بل حققت أكبر النجاحات ,لا يوجد في العائلة وبين زبانيتها الا مالكي المليارات من الدولارات , وعن الملايين لايتحدث أحد , اما عن الدولة المفلسة ,فمن تهمه هذه الدولة ؟
نظرا لوفرة عوامل السقوط الداخلية , أصبح الحديث عن مساعي الاسقاط الخارجية ,الاقليمية او العالمية باهتا , لاشك في ان أعداء السلطة كثر , ولا شك على أن هناك من يريد اسقاط السلطة , كل هذا صحيح ,والأصح من ذلك هو ان عوامل السقوط الذاتية الداخلية هي الأهم , بالرغم من نضوج عوامل السقوط الداخلية ,تأخر السقوط بفعل الادمان على الخنوع والتملق وعقلية الزبانية طويلا , الا أن حقائق التاريخ تقول ان السقوط المدوي آت لامحالة .
لقد كانت رغبة كل مواطن واع , ان يتم السقوط بشكل تغير سلمي لايهدم وانما يعمر , الا أن الظروف , التي لايمكن تبرئة السلطة من المشاركة الأساسية في خلقها , لم تسمح بذلك ,الآن تحولت البلاد الى مقبرة بحجم الوطن , كره , اجرام , تجزئة ,ضغينة تخريب وخطف وافقار واغتيالات ونزوح , ثم طائفية وشبيحة وذبيحة والاخوان من كل الطوائف ,فرق الموت والتهريب ومناطق السلطة ثم مناطق الاخوان والهاربين واللاجئين والعزلة وقطع العلاقات الديبلوماسية وانخفاض سعر العملة , الافلاس وغلاء المعيشة, ثم البرد القارس والحر الخانق الخ ,لا يوجد في هذا الوطن سوى تمظهرات السقوط المدوي في كل الاتجاهات الى الحضيض!