عثمان لي :
مجمل سياق الحياة اليومية في سوريا أصبح مدعاة لممارسة النحيب والبكائيات , أصلا يجب أن يبدأ النحيب والبكاء كل يوم من الصباح الى المساء , فلا يوجد ولم يوجد في سوريا مايبعث على الفرح والراحة , حياة كلها شقاء وعذاب وامتهان للكرامة وللحرية وسلب للارادة وفقر متزايد ومستقبل كالح السواد , وعن الحاضر وكارثيته فحدث ولا حرج , المحظوظ هو من يستطيع النزوح واللجوء وحتى التطفل على مجتمعات أخرى أصبح فضيلة , لم تترك كتائب الأسد والفصائل المسلحة للبلاد أي جاذبية عقلانية , حب الوطن أصبح نوعا من القسرالنفسي , واحترام الوطن أصبح نوعا اللاموضوعية , وخيانة الوطن أصبحت واجبا كما نصح محمد الماغوط ..الوطن الذي لايحترم المواطن جديرا بالخيانة !!, وطننا أصبح جديرا بالخيانة …يا للمهزلة والسخرية !!.
لقد تدهورت القيم وانحطت الأخلاق وأصبح الفساد مرشدا وقانونا , الفاسد شاطر والنظيف غبي , وكل ذلك ليس بالجديد ..على أي حال لايوجد في سوريا قتلا يمكن القول عنه على أنه محق , كل قتل اجرام , وبالرغم من ذلك تم تقتيل عشرات الآلاف من الناس أطفالا وشبابا وشيوخا رجالا ونساء , وليس من الغريب أن يمر هذا المجتمع المريض مرور الكرام على تلك المجازر , بالرغم من عدم وجود مجزرة أسوء من مجزرة أخرى , الا انه يوجد ضحايا أفضل من ضحايا , أن تقتل مؤيدا فهذا عمل ارهابي , أن تقتل معارضا فهذا عمل وطني, وبنظر البعض الآخر ان تقتل معارضا فهذا عمل ارهابي , وأن تقتل مؤيدا فهذا عمل وطني !.
يستخدم التباكي الرموز الدينية الممثلة عمليا لقضية كل سوري , أأسف هنا للالتباس , اذ لم يعد هناك “سوري” , هناك الطائفة والطائفيين , أما” السوري” فقد انقرض ولم يعد له وجود, وهل نأسف على ذلك ؟ وماذا تخسر الانسانية بانقراض الجنس السوري ؟ تصوروا العالم بدون” السوري ” وقارنوه بالعالم مع “السوري” , ايهما أفضل ؟ , سؤال مر جدا !.
أصبحت البكائيات نوعا من الممارسة اليومية , هناك من يندب حظه لعدم وجود من يبكي عليه , وهناك من يدعي بأن البعض لايحظى بنصيبه من التباكي, مقتل الانسان في هذه البلاد أصبح برنامجا يوميا , االتضامن مع البعض أصبح سطحي واعلامي ودعائي وحتى فولوكلوري في معظمه ,مثلا توزيع صورة بائسة لمسلح يؤدي التحية لتمثال السيدة العذراء!!!!! ,التضامن مع فئات اخرى مختلف جدا , فالمجتمع السوري أصبح بعد جهد جهيد بذلته الأسدية بالشراكة مع الأصولية مجتمع طوائف وملل , هناك طوائف بمشاريع هيمنة قسرية بحد السيف , وهناك طوائف تستخدم السيف والعنف اضافة الى مشروع الغلبة الغالبة , أي أنهم أنهم أكثرية ومن حقهم أن يحكموا , بغض النظر عن الفرق بين مفهوم الأكثريةـ الاقلية المذهبي وبين مفهوم الأكثرية ـالأقلية السياسي .,
بالنسبة للطوائف يمكن القول انه لاوجود “لطائفة” قوم عيسى , فالانتماء الى دين معين لايعني الانتماء الى طائفة , فالطائفة تكوينا وبنية طائفية , تكوين الطائفة يعتمد على وجود “مشروع” (كما قال أدونيس بحق) , والمشروع هو الذي يقود الى “التراص” بين أفراد مذهب معين وبالتالي الى تكوين طائفة , هناك العديد من الأمثلة على هذا الوضع , وهناك أخونج من مختلف الطوائف , أي هناك مذهبية سياسية متراصة تجمع اليساري واليميني والناصري والبعثي والمؤمن والملحد تحت مظلتها , ومشروعها واضح وجلي , انها تريد الهيمنة كطائفة وليس كأفراد اوجماعات سياسية , المنتمي الى الاخونج أصبح من مرتبة اجتماعية ووظيفية معينة لأنه فرد من أفراد الطائفة , وهذا ينطبق على اخونج كل الطوائف مع بعض الاستثناءات .
فالمسيحي مثلا هو أولا ذلك البعثي أو الشيوعي أو السوري القومي أو …أو , الا أنه لايجلس تحت مظلة “طائفة”, لأنه لاوجود لهذه الطائفة التي تتميز بالتراص بين اعضائها وتتميز بكونها ” كطائقة” ذات مشروع خاصا بها , لاوجود “لمشروع” لهم في سوريا سوى مشروع الهجرة , التي تتم بصمت ونجاح كبير , اذ لم يبق منهم في البلاد سوى حوالي 2-٣% من السكان تقديرا , وبعد سنوات قليلة ستتحول نسبتهم الى الصفر , لايتقبل مجتمع الطوائف جماعات ليست طائفية , اي لاتمثل طائفة متكافلة متضامنة ,انه مجتمع الطوائف المؤمنة وليس مجتمع المواطنة .
لما كان المجتمع السوري قد أصبح تجمع طوائف وملل , فلا ادراك لوجود العيسوي ,ولا تمثيل له في الديباجة الطائفية , انه نكرة لأنه ليس له طائفة تمثله , انه هامشي ولا حصة له في حبكة المحاصصة , لأن الحصة هي للطائفة التي لها وجود , ومن حظه أنه لايوجد من يبكي عليه , انه هامشي وبدون أهمية فالأهمية هي للطوائف , انه منبوذ في مجتمع لايفهمه وبدوره لايفهم هذا المجتمع , أقول “منبوذ” عمدا , ولو لم يكونوا منبوذين لما تدنت نسبتهم بشكل تدريجي من ٢٠٪ بعد الاستقلال الى أقل من ٣٪ في الفترة الأخيرة , ومعظم هذا التناقص حدث ليس في الخمسينات , وانما بدأ بشكل ملحوظ بعد عام ١٩٧٠ , أي بعد بدايات تأسيس مايسمى العلوية السياسية .
هاجر قوم عيسى الى مجتمعات تفهمهم ويفهموها , وبالتالي يفرحني عدم التباكي عليهم , ويفرحني أكثر قيام معظمهم بالنزوح والهجرة , البلاد ليست بلادهم واستضافتهم من قبل بشار وأبو بكر لاتليق حتى بالكلاب , وما هو الدافع لكي يبقى الانسان “كلبا” عند بشار أو عند أبو بكر او الحسون او البوطي او البيانوني ؟
هناك خصوصيات أخرى ليست بالمهمة جدا ولكن ليس من الضار ذكرها , هناك من يتحدث عن الجغرافيا الطائفية, ويزعم بأنه ليس للبعض جغرايا طائفية, ليس لقوم عيسى في سوريا جغرافية دينية كما للدروز او قوم علي على سبيل المثال , انهم موزعون على كل المناطق السورية تقريبا ,وبالتالي لايمكنهم التفكير بدولة تخصهم كما هو الحال بالنسبة للأكراد وبالنسبة لأهل الساحل او غيرهم, بالرغم من أن نسبتهم كانت مساوية أو أعلى من نسب فئات أو طوائف أخرى , لايمكن التفكير بدولة “ارمنية” في سوريا مع العلم على أن نسبة الأرمن كانت حوالي ٤٪ من السكان, وتساوي تقريبا نسبة الدروز , ومع العلم على أنه للأرمن جغرافية حلبية لاتقل عن الجغرافيا الدرزية, لاشك بأن بعض التطورات قد تقود الى اقامة دولة درزية , وقد كانت هناك دولة درزية لفترة في القرن الماضي.
نصح أحد الناصحين قوم عيسى بأن يغاروا من الدروز ومن قوم علي وغيرهم , وكأن القوقعة في طائفة هي مدعاة للغيرة , أما أنا فأنصحهم أن لايمارسوا ” الغيرة” بل أن يمارسوا “المغادرة ” , وهم يفعلون ذلك بشكل تلقائي بنصيحة وبدون نصيحة
Post Views: 506