ن. عبود ,ممدوح بيطار :
مصطلح الهوية الوطنية حديث نسبيا , وقد ظهر بشكل رئيسي في سياق قيام الدول الوطنية في اوروبا , وما رافقها من تطور للقوانين الحاكمة للعلاقة بين افراد الوطن , حتى اضحى حقيقة راسخة بوعي الانسان الغربي, أخضع الفكر الغربي مفهوم الهوية الى مبدأ العقلنة , الذي حول شكل الانتماء الطبيعي الى شكل الانتماء والانتساب الخياري , هناك شك في علاقة الهوية مع الاقامة الثابتة طوال فترة طويلة من الزمن , هناك شك ايضا في موضوع الأصل والفصل , وهناك تطور في اوروبا باتجاه ما يسمى الوطن في الشتات المؤسس على ديناميكية الهوية والمكرس للكوزموبوليتانية والمعاكس للتشرنق داخل الذات المحلية.. باختصار العالم هو الهوية !
لقد انشغل الاوروبيون بشكل عميق وعريض بموضوع الهوية , بينما لم ينشغل العرب بموضوع الهوية من الناحية الفلسفية الاجتماعية ومن ناحية الحاجة ايضا , ففي زمن الفتوحات لم تكن هناك حاجة للانشغال بموضوع الهوية , فالرزقة مؤمنة في ظل الرماح وبيوت المال عامرة , والحياة رغد ونساء وملذات وجواري , الى أن فاجأهم مفهوم الدولة وضرورة التنظيم في مجال دولة في العصر الحديث .
كانت هناك في عرابيا هوية جاهزة هي الهوية الدينية , التي دفعتهم الى التشرنق ورفض التلوث بالغير واستعدائه , لكن السؤال عن الهوية لا يغدو ملحا إلا عندما تتهدد هذه الهوية بالتخلف والتراجع , والفتوحات كانت حسب رأيهم الخاطئ تقدم , لأنها قدمت لهم المال والغنائم , ولكنها الغت في نفوسهم ثقافة العمل وخلقت في هذه النفوس ثقافة الفساد , لذا لم يكن الاهتمام بثقافة الهوية مهما بالنسبة لهم , قلائل من فكروا بهذا الموضوع , منهم كان الفارابي الذي اكد على ان الهوية “من الموجودات وليس من جملة المقولات, فهي من العوارض اللازمة وليست من جملة اللواحق التي تكون بعد الماهية “كما حدد هوية الشيء بأنها” عينيته ووحدته وتشخصه وخصوصيته ووجوده المنفرد له كل واحد , الهوية كانت نوعا من الخصوصية الذي لايقع بها اشتراك, ابن رشد نقل عن اليونانية تعريف الهوية “تقال بالترادف على المعنى الذي يطلق عليه اسم الموجود, وهي مشتقة من الهو كما تُشتق الإنسانية من الإنسان ألخ .
في العصر الحديث تكاثرت الافكار حول الهوية , لربما عن طريق تسرب الفكر الأوروبي الى المنطقة , هنا يمكن القول ان مصطلح “الجامعة الوطنية ” لأديب اسحق قد يكون الأقرب الى المنطق , هناك تعاريف ومصطلحات مشابهة تقريبا مثل مصطلح النفسانية او الشخصية لدى انطون سعادة للتعبير عن روح الشعب , ثم هناك تعاريف أخرى خاصة بسلامة موسى نقلا عن ابراهيم اليازجي وغيرهم , حتى الندوة التي عقدت في القاهرة عام ١٩٨٤ لم تتمكن من تعريف الهوية بشكل واضح , لقد كانت هناك العديد من النظرات المختلفة او المتناقضة , وبذلك خرج المجتمعون يحملون من الأسئلة أكثر مما دخلوا به .
دخل مفهوم الهوية هذه المنطقة مع تشكل الحكومات الوطنية , وحتى الان بقي غامضا تتنازعه انتماءات اخرى اكثر عمقا في وجدان شعوب الشرق كالقومية او الدين او حتى الطائفة ,نستطيع الجزم بان مفهوم الوطنية في هذه البلاد متباين بقدر التاثير النسبي لهذه الانتماءات على وعي كل فرد في الشرق اجمالا , و هذا كان ولا يزال احد اسباب تشظي وتنكص الحركات السياسية في سوريا وفي المنطقة عموما , وذلك لعدم امتلاكها للحد الأدنى من التوافق حول هوية سوريا المستقبلية , أهي سوريا للسوريين ! أو سوريا للعرب ! أو للدين ! , تبعا لذلك كانت هناك اختلافات كبيرة حول أولوية الانتماء …سوري ..عربي … مؤمن …الخ , هنا تطرح أسئلة بحاجة للبحث والمراجعة والاجابة , علنا نقترب اكثر من فهم مشترك للهوية والانتماء الوطني ومنها على سبيل المثال:
1-هل العدالة الاجتماعية وزوال الحكومات الفاسدة كافية لترسخ المفهوم الوطني مع الزمن ؟
أو ان المشكلة اعمق بكثير وتلامس جذور الوعي الثقافي لشعوب الشرق ,الذي يعيد انتاج الحكومات الفاسدة , وكأنه مدمن عليها … يقال ان االعربي لايقتنع الا بالقوة , ويرتاح للاستكانة والخنوع ,هل المفهوم الحديث للوطن هو نتاج تجربة غربية غير صالح للاستعمال في هذا الشرق ؟
2-هل الحدود الوطنية التي رسمت جغرافيتها اتفاقية سايكس- بيكو كانت ظالمة لدرجة ضرورة تمييعها ومحاربتها من قبل العروبيين لصالح مفهوم القومية العربية والعروبة والدولة العربية من المحيط الى الخليج , ومن قبل الاخونج لصالح مفهوم الخلافة العابر للحدود الجغرافية والملتزم بالحدود الديموغرافية المذهبية ؟, وهل الدولة العربية أو الخلافة أكثر واقعية من الدولة السورية القطرية ؟ ,اليست الحالة نفسها موجودة في اوروبا, وقد تأسست في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية على الأقل 8 دولا جديدة , لم تكن التقسيمات الجديدة في أوروبا عائقا امام ترسخ مفهوم الهوية الوطنية ضمن الجغرافا السياسية الجديدة التى رسمتها الحروب والاتفاقيات الخاصة بها ؟
3- هل الحدود الوطنية الحالية ومفهوم الهوية الوطنية يتعارض فعلا مع فهم الدين للدولة ,خاصة في دول متعددة الأديان والطوائف ؟, أو انها تتعارض فقط مع المفاهيم العروبية , ومع مفاهيم الاخونج السياسي بفرقه المختلفة للدولة الوطنية, التي ترى ضرورة تطبيق مفهوم الولاء والبراء , الذي يعني ان مؤمن في بورما اهم وأقرب اليه من جاره الغير مؤمن بالمصطفى والدين الحنيف .
لماذا عجزت الشعوب على اختلاف انتماءاتها السياسية عن تكوين وعي وطني مشترك كباقي الامم, وبقيت غالبية الشعوبا تعيش في مرحلة انتماءات الممالك ومللها شبه المغلقة ,بلباس دولة وطنية وحدودها المفتوحة لحروب قومية او دينية او حتى طائفية , بالتالي بقيت دول هشة مهددة بالتشظي امام اي هزة , أي بقيت في مرحلة ماقبل الدولة !
قد تساهم الاجابة العقلانية على الأسئلة المطروحة في تكوين تصور مقبول عن علاقة مشروع الدولة مع خاصة الانتماء وخاصة الهوية الوطنية ,هل الدين هوية بمستوى الوطن ؟ هل اللغة العربية هوية بمرتبة الهوية الوطنية ؟ هل سوريا كدولة حالة مرحلية ؟ او انها دولة نهائية ! لاتقتصر أسئلة الهوية على ماذكر, هناك أسئلة أخرى على قدر كبير من الأهمية , يجب طرحها والاجابة عليها بشجاعة وجرأة وصراحة .للمقال تتمة
Post Views: 939