ما بيطار, ممدوح بيطار :
أصلا لاوجود لحالة تماس وبالتالي عداء أو ضدية بين العلمانية والمعتقدات السماوية , لأن العلمانية ليست سماوية ودائرة عملها ومهماتها محصورة بالأرض , في حين دائرة اهتمامات المعتقدات السماوية في السماء , يستطيع المعتقد السماوي ان يكون مستقلا في فضائه , والعلمانية الأرضية مستقلة في فضائها , تبدأ الخلافات بينهما عندما يتدخل طرف بالطرف الآخر , كأن يحاول صاحب المعتقد السماوي فرض شروط حياة معينة على الأرض , أو تحاول العلمانية التدخل في شؤون المعتقد السماوي .
جوهر عدم تمكن العلمانية من التكييف مع المعتقد السماوي , أو تكييف المعتقد السماوي مع العلمانية في فضاء مشترك هو العقل ومكانته وأهميته وواجباته, فالعلمانية “عقل” , وهذا العقل يشجع على التفكير ويسمح بالتحليل والتجريب , يطور وينتقد وينقض ويغير القيم ويطورها , وبه يتمثل النقيض من الثوابت , أما المعتقد السماوي فله الايمان وهو الايمان وليس للايمان عقل يجتهد ويطور ويغيير , الايمان يصر على الثوابت ويقدسها بدون فهم او تحليل او يقين , ثم يعتبرها صالحة لكل زمان ومكان , الايمان يحذف الذات البشرية لصالح الذات الالهية .
لايقتصرالتباين بين العلمانية والدين على ماذكر , هناك تباين مهم بين الفلسفة التي هي منتج عقلي وبين الدين ,الذي يتنكر للفلسفة لابل يمنع تدريسها في مدارس عدة دول عربية , لاتعترف الفلسفة بدليلٍ سوى العقل والمنطق, ولا تقبل أيّ حقيقة إلا بعد عرضها على العقل وقبوله بها, الدين يستقي من ثقافة الوحي ومن حجج المرسلين , التي فقدت قيمتها في عصر العلم, لم يعد كلام المرسلين وتجاربهم حجة .
ازداد التباين بعد طغيان صوت العقل على صوت الوحي, ابطل العلم العديد مما اعتبر حقائق ,واثبت كونها توهمات ,تكمن احدى مشاكل هذه المنطقة بوجود الكثير العلماء من نوع آخر , نوع لايعرفه بقية العالم , فالعالم في بقية مجتمعات الكون هو عالم الفيزياء او الكيمياء او الطب او الهندسة او غير ذلك من العلوم , علماء هذه البلاد هم حصرا فقهاء ,حتى أن العديد منهم بدون تحصيل دراسي في هذا المجال , مهمتهم نشر معارفهم واعتقاداتهم الخرافية , لهذا السبب تقدم الغير وتأخرت شعوب هذا الشرق, يتم التقدم بالعلم والمعرفة وليس بالخرافة , يتم على يد اينشتياين ونيوتن وليس على يد الحويني او يعقوب او عبد الله رشدي ؟؟
تعتبر المعارف الفقهية لا عقلانية بالمعنى الفلسفي , ودائرتها منفصلة تماماً عن دائرة العلم والفلسفة , ورسائل المرسلين مختلفة عن رسائل الفلاسفة ورسائل العلم , المرسلون يخاطبون قلوب الناس وعواطفهم ,بينما يخاطب الفلاسفة عقولهم وأفكارهم , لاتكفي مخاطبة القلب والعواطف لتحقيق حياة أفضل , لابد من مخاطبة العقل , الذي يتواجد في حالة صراع مع الايمان منذ قديم الزمان , ومنذ ان وجد اول مذهب سماوي , واستمر حتى الآن, وحتى عبر الثورة الصناعية في أوروبا وعبر المدارس الفلسفية الحديثة وفلسفات العلوم , ففي اوروبا تناولت الفلسفة القضايا الايمانية , كانت هناك فئة دافعت وفئة عارضت , الى أن انتصرت العلمية , التي تأسست على العقل التجريبي وانتصرت على فلسفة القرون الوسطى , هيمن صوت العقل العلمي على الساحة, وانهار نظام القرون الوسطى الفكري , وأعلن دعاة العلم موت التحجر والتثبت , وبشروا بدين البشرية الجديد , الذي أصبح العلم .
لابد لكي تتقدم شعوب هذه المنطقة من زعزعة العقائد التي قادت الى تأخرهم , لابد من تطوير الايمان وتحويله الى قناعة عقلية , مبنية على الفهم والادراك , ثم الابتعاد عن المقولات التي لاجدوى منها , كمقولة الايمان يشجع العلم , وكيف يشجع الايمان العلم , وما أكثر من الأيمان ولا أقل من العلم في هذه البلاد ,لايمكن لعلماء الفقه نشر العلم كالفيزياء والكيمياء وعلم الذرة وغير ذلك , اطلاق اسم عالم على جاهل بالعلم لايقدم , انه عالم الفقه “اسمي” فقط , لا خروج من دائرة الجهل على يد علم “اسمي”, ولا يمكن تشجيع العلم بمحاربة العلماء الحقيقيين ومطاردتهم واتهامهم بالزندقة والهرطقة وطردهم وقتلهم ,كما حدث مع ابن رشد , الذي طرد وحرقت كتبه , وابن المقفع الذي تم تقطيع أطرافه وشويها على النار وارغامه على أكلها حتى مات من الألم, والحلاج الذي شوي ايضا , والجعد بن درهم الذي ذبح بسبب أفكاره الفلسفية , والرازي الذي ضربوه بالكتب حتى فقد بصره, والكندي الذي جلد 60 جلدة في ميدان عام, وابن خلدون الذي أحرقوا كتبه ومنزله ,وابن سينا , الذي اتهم بالكفر والفارابي كذلك , لأنهم كما قيل “تفلسفوا” , اذا كان كل ذلك تشجيعا للعلم , فكيف تكون محاربة العلم؟.
Post Views: 596