بين النقد والجلد…

ممدوح   بيطار:

  – اغلب   الظن    ان   مفهوم   جلد   الذات ملتبس    بشدة   على   صديقنا   العتيد     خالد   الساعي , هذا اضافة  الى   الالتباس   بخصوص  المؤامرة  والعروبة   والدين واحترام   الأديان  وغير    ذلك ,  مما   يسمح   بالقول   ان   معظم   مايدور   في   رأس   السباعي    هو   من   اسباب   التردي   العربي   الرئيسية  .

  التعرف  الفروق الجوهرية بين نقد الذات  وجلد  الذات  ضرورية  لفهم مواطن  الخلل  وطرق  علاجها    , فجلد الذات   تجريدا  ليس  “جلد “,انما تعبيرا  عن الفشل  وظرفه المسيطر  , وعن الطريقة السلبية في التعامل مع الفشل  ,طريقة الهروب   لا المواجهة  , هروب  من   الموضوعية   الى الشخصية       , انه  مبالغة في  تقزيم الذات , وتضخيم  ماتتعرض له  الذات  من عوامل قاهرة .

ترتكز   المؤامرة   ومفاهيمها  على ترويج الاستسلام  والاقرار  بضعف الذات مقابل   الاعتقاد  بقوة  المؤامرة ,ثم الاعتراف  بأنه لامجال لمجابهة  القوة بالضعف  , ثم   افتراض أو  اكتشاف  مؤامرة خفية  ابليسية   يهب  البعض  شعورا  بأنهم  من ذوات   “ذكاء خاص وخارق”,  الانتصار  هنا   ليس  على  التحدي  وليس  على  المشكلة   , انما  فقط  على   الغموض   الذي  يحيط   بالمشكلة   ,     يظنون  بأن   ادراك  وجود     المؤامرة  , هو  بحد  ذاته    انتصارا,  لكنه   انتصار  وهمي  على   الغموض , و ليس  علىى    التحديات  ,  لنه    مجرداضافة   غموضا جديدا   على  غموض  متواجد  …انه  تكاثر   الأوهام  ,   لايمثل   وهم  اكتشاف  المؤامرة   انتصارا على  الهزيمة    انما   استكانة  واستسلاما    للتحدي  الموضوعي , بعد  اكتشااف  وهم  المؤامرة  برتاح   المهزوم  في  ظل    هزيمته   مقتنعا   بوجاهة  هذه  الهزيمة  , التي    لايمكنه   مواجهتها  , لكون  التحدي  عملاق ,  يفوق    قدرته   على  المواجهة  , اذن     اكتشاف  المؤامرة  لايعني   مواجهنها   , انما     الاستراحة   والاستظلال     بظلها  ,  المؤامرة  مريحة  ورافعة  للشعور   بعدم   المسؤولية  عن  الفشل   ..فما حصل  هو مسؤولية الغير المتآمر  الجبار ,    .. الأمر  واضح بنظرهم بشكل  يسمح   بولادة  شيئا  من   التوازن  والاستقرار  الداخلي والاسترخاء .

-يتمثل  جلد الذات  بالشعور السلبي,  الذي يتنامى   عادة  في   أوقات  النكبات   , بينما  نقد الذات  هو  الشعور الايجابي  ,   الذي  يطمح الى  التعرف الموضوعي  على الوضع بشكل عام قوة  أوضعفا  بدون مبالغة  تشاؤمية   أو  تفاؤلية , نقد الذات  لايمثل هروبا , وانما  استعدادا للمواجهة ,ومهمة نقد الذات هي  الخروج من المأزق  ,  وليس   الهزيمة  في  المأزق… بعكس   جلد الذات  , الذي  يوفر  الخلفية النفسية للموت في المأزق ,  انه  محاولة   للتغلب  على  الفشل   عن  طريق  الهروب  منه   , بدلا  من  مواجهته   ,  لأنه  عاجز  عن  المواجهة   بسبب   عدم   ادراكه  بمواطن  ضعفة    وقوته   , وعدم  ادراكه  بمواطن   ضعف   أو  قوة  التحديات  التي   يواجهها   ,  المبالغة   في    تقدير  حجم  التحديات   هو  بمثابة     محاولة   لتبرير    الهروب   من  مواجهة   هذه  التحديات  .

-يلتبس   نقد  الذات في  حالات عديدة مع  جلد الذات , فالاشارة الى مواطن الضعف وتوصيفها  وتحليلها  ليس جلدا وانما  نقدا , ومن يشير الى  هزيمة التراث العربي  أمام الحضارة الغربية  , ثم ينصح بالذوبان  في الحضارة الغربية  ليس جلادا  انما ناقدا ,  مفردة “ذوبان”  ليست  بتلك المفردة  القبيحة     والغير واعية  والمنتقصة من الذات  , وانما هي دعوة للواقعية   , اذ  أنه ليس بالامكان  خلق حضارة  خاصة   بآل  يعرب  , ثم رعاية هذه الحضارة   وتنميتها    بسرعة  ,  لكي تتمكن  من  منافسة الحضارة الغربية  ,  لم  تعد هناك  امكانية للنهوض والتسابق  مع الغرب   ,لذا  لابد   في هذه الحالة  من  الاعتماد  على  منجزات الغرب  الفكرية  التي  ليست  ملكا خاصا للغرب   , وانما ملك الانسانية جمعاء  , , العار  هو  البقاء  في حالة التأخر  , والعار  هو الاعتماد على الغرب استهلاكيا  ثم رفض الغرب فكريا  , اذ لولا الفكر  لما كانت هناك حضارة غربية  ولا صناعات غربية ولا تقدم  علمي  , ولولا الفكر عموما  لما تقدم الغرب على العرب.

-هناك  لجلد  الذات   شكلان   ,   شكل  مادي  وشكل  معنوي  ,   يتمثل   المعنوي     بالقنوط  واليأس  والشعور  بعدم  جدوى  الحياة ,   ثم  جملة  من  الهواجس  السلبية   والمسلكيات   العدمية , الأمر  هنا  مرضي  , ولهذا  الأمر اشكالا    أقل  خبثا  ,  أما  الشكل   المادي   فيتمثل   في  الحاق  الأذى    العمدي   بالذات,  كوسيلة  للمعاقبة   وبالتالي    المساهمة  في  خلق  توازن   واستقرار    نفسي   جديدعلى   أساس  عدمي .

-الفصل  بين  النقد  والجلد    صعب  أحيانا  , لأن  الحدود  بين  النقد والجلد   ليست    دائما واضحة  ,  عمليا   تفوق فوائد    النقد   ,  حتى   ولو  التبس  جزئيا  مع  الجلد  ,      يمثل   الجلد  حالات  مرضية   يجب  علاجها    ,  بعكس  النقد,  الذي  يمثل  حالة  صحية    يجب   الحفاظ  عليها   لابل تنميتها .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *