ولد مفهوم الثوابت ,احترامها وتمجيد ثوابت الأمة , من رحم الفكر الديني الأصولي , الذي يتحفظ على أي مبادرة أو خطوة باتجاه التطوير والتغيير باتجاه واقع متجدد , تمثل مناهضة التأقلم مع الجديد رفضا غبيا للواقع ومحاولة لتكريس هيمنة أصحاب دكاكين الثوابت وتحقيق مصالحهم ,انهم الأوصياء على المقدس الذي هو أساس الثوابت , وسيخسرون العديد من الامتيازات عند التحرر من أسر الثوابت ومن منهجية الانصياع الأبدي للثابت , المتحول يحول بضاعة اوصياء المقدس الثابت الى بضاعة منتهية الصلاحية والفاعلية , لذلك يمكن تفهمهم , فمعارضتهم ومقاومتهم للتطوير تمثل بالنسبة لهم حاجة حياتية أساسية , ليس بامكانهم تجاهلها أوبامكانهم التخلي عنها بسهولة .
الثوابت رمز وترجمة لحالة اللاحرية, فالثابت ينتقص من امكانيات ممارسة الحرية , لأنه يقيد الفكر والممارسة بمفاهيم تقيد الفكر والممارسة , وتمنع الفكر والممارسة من الانفتاح على أفق جديدة , بالتأكيد أفق مغايرة للأفق القديمة , لأن الفكر والممارسة هم نتاج مراعاة الواقع ,والواقع المتغير حتما يتطلب آفاق جديدة مغايرة للآفاق القديمة , اضافة الى ذلك فالثوابت قاتلة لمبدأ المساواة , فكيف يمكن مساواة المفهوم الثابت مع المقدس , والفكر المقدس مع الفكر المتغير الغير مقدس ؟ ,لما كان الانسان واحدا في عضويته وتكوينه التشريحي وما يميزه عن الآخر تفوقا أو دونية هو الفكر الذي يحمله , وتقسيم الفكر الى مقدس مبجل ومدنس مبتذل يعني تقسيم البشر الى طبقة من فوق البشر والى طبقة من تحت البشر , وكلاهما لايمت للبشر بصلة .
يمكن القول مجازا بوجود ثوابت في المجتمعات الأخرى وخاصة الغربية , هذه الثوابت تخص المساواة والحرية , والثابت في المساواة والحرية هو المتحول المتطور في هذه القيم , بشكل عام تختلف ثوابت الغرب عن ثوابت العرب , التي تبرر عدم المساواة وعدم الحرية وتبرر العنف وحق االقوة .
وظيفة حجة الثوابت التي ستنسلخ يوما ما عن الواقع المتطور , هي ايقاف التطور عن طريق تنظيم الرقابة الحازمة على الفكر الموضوعي , ومحاصرة الفكر المؤسس على الواقع والموضوعية ومعاقبة الذين يأخذون الواقع بعين الاعتبار عن طريق ملاحقتهم وحتى قتلهم لخروجهم على الثوابت , وهل توجد في العالم العربي المحمدي حرب الا ولها علاقة وثيقة مع رجال الثابت المقدس ؟ .
الفكر الأصولي الذي يحارب التقدم بكل الأسلحة , لايطور نفسه بل يريد التحكم بالواقع وجعله مطابقا للأصل , العنف أو الارهاب المرتكز على دوغماتيكة المقدس والمدنس لايقبل الواقع وما ينبثق عنه من أفكار ,انما يفترض اصابة المجتمع بالجاهلية , وما على العنف والارهاب الا أسلمة مجتمع الجاهلية الجديد ( سيد قطب), افتراض الجاهلية هو ذروة الهذيان الأصولي الذي بلغ في هذه الفرضية مرحلة الغاء الذات , وما هو المسبب لجاهلية الجميع باستثناء الأصولية ؟ , واذا كان من الضروري الغاء الجاهلية , فيجب أولا الغاء الأصولية التي تمثل جاهلية الدعوة الجديدة , التي ولدت قبل ١٤٠٠ سنة , والتي لاتختلف عن جاهلية قبل الدعوة بالمهم من المعالم .
اذا كانت الثوابت قاتلة للمساواة والحرية , فانها بالدرجة الأولى قاتلة للنقد , ثقافة الثوابت حلت في هذه المنطقة التعيسة محل ثقافة النقد , والثوابت عصية على النقد , بل انها مجرمة للناقد الذي قد يفقد حياته لأنه تجرأ على الثابت , تحولت ثقافة النقد في هذه المنطقة الى أقصى الهامشية , حذارا من التطاول على الثوابت !!!, لذا أقامت الأصولية الحصون والقلاع لمحاربة النقد وتجريمه , لقد أصبح الهذيان الأصولي سلطة تمارس العداء للتاريخ والتطور , الصادم في الأمر هو حدوث ذلك في القرن الحادي والعشرين, بعد قرون من ولادة ثقافة الواقع ورفض ثقافة الثوابت , ازدهرت أوروبا لأخذها بمبادئ ابن رشد , وتأخر العرب لأنهم احرقوا كتب ابن رشد وغير ابن رشد , قال عمر اذا تضمنت مخطوطات وكتب مكتبة الاسكندرية ما هو مطابق لما جاءت العقيدة به فلا لزوم لهذه الكتب لذا الى حرقها , واذا تضمنت ما يناقض العقيدة فيجب حرقها !.
لا أعتقد أنه بمقدرة ثقافة المقدس والثوابت ايقاف صيرورة الخروج من الدين والدخول في التاريخ , الخروج من الدين لايعني الغائه وانما يعني التصدي لعدوانه, حارب الدين وثوابته المرأة شرقا وغربا , وبالنهاية تم تحرير المرأة في معظم أنحاء العالم من الذكورية ومن تحالف الذكورية مع الدين , السائد في العالم هو السيد الذي ينجح في تطوير الحياة الى الأفضل , انتصر الجهاد الارهابي في معركته مع حياة البعض كفرج فودة, ولكنه لم ينجح في ترقية حياة الانسان بشكل عام , كم يجدر بنا التفكير بثنائية النجاح -الانتصار , بين النجاح في الحياة وبين الانتصار في الحروب فرق شاسع !