ممدوح بيطار
احد معالم كتاب طه حسين في كتابه عن الشعر الجاهلي كانت قضية “الانتحال”, أي أن الشعر المذكور لايعود لمن نسب اليه من ما سمي شعراء الجاهلية , نظم الشعر بعد ولادة الدعوة , حاول طه حسين الاجابة على السؤال من كتب هذا الشعر ولماذا ومتى , وهل امرؤ القيس حقيقة واقعية أو انه من صنع الخيال , أي انه ليس لهذا الشعر علاقة مع الجاهلية .
أما لماذا تم التزوير , هنا ادعى طه حسين وجود اسباب دينية وسياسية وعصبوية , ثم ما هي قيمة هذا الادعاء ؟, هنا يقول الفقهاء والمعارضين لطه حسين , ان انكار الشعر الجاهلي هو بمثابة انكار للقرآن , هنا أصبح للاشكالية جحما تجاوز موضوع الشعر والشعراء , انه انكار لكتاب الدين المقدس , الذي يعتبره المؤمنون معجزة .. , لم تقتصر اشكالية طه حسئين على أمر خرافة الشعر الجاهلي وتزوير زمن صياغته , التهمة الأكبر كانت بخصوص ادعائه بعدم امكانية اتخاذ الكتاب مرجعا علميا , لأن العلوم متغيرة ومتطورة , بينما الكتاب ثابت لايتغير ,اضافة الى كل ذلك كان تشكيك طه حسين بوجود بعض الأنبياء مثل ابراهيم واسماعيل …الخ, ثم لاننسى اعلان طه حسين عن التزامه بالديكارتية وما يعرف عن علمانيته ومصريته وحتى زوجته … اذن الاشكالية متعددة المحاور والوجوه .
نتيجة لكل ذلك تمت محاكمة طه حسين ليس ظاهريا بسبب الكتاب , الا أن هجوم الأزهر وهجوم رجال الدين على طه حسين كان برسم تصفية حسابات عسيرة وذات علاقة بالكتاب وبما هو معروف عن توجهاته ومواقفه بخصوص أمور لم يتطرق الكتاب اليها , انه مرتد عن الدين , لذلك يجب تعليقه على حبل المشنقة , مارس ازدراء الدين وكفر بالمعتقدات لذلك يجب تصفيته اي قتله , فطه حسين مرتد وعقوبة الردة معروفة , ثم انه رافض للتقديس , ولم يكن هناك بالنسبة له ماهو فوق النقد , ثم أن كل شيئ يتغير ويتطور , وكيف يمكن تطوير المقدس ؟ , حوكم طه حسين وتمت تبرئته.
وجدت الاشكالية مع طه حسين , شبيها لها في الحاضر مع نصر حامد ابو زيد ومع فرج فودة ومع السيد القمني وغيرهم ,والاشكالية مع مشايخ ذلك الزمن شبيهة بالاشكالية في هذا العصر مع المشايخ ومع الفكر الديني , الذي يمثله الأزهر وتمثله الأصولية والسلفية , لقد كان طه حسين علماني ديكارتي ابن رشدي , فما هي الديكارتية ؟
تقوم الديكارتية على منهج الشك , وعلى الاعتماد على العقل وعلى البداهة والاستنباط , وبذلك تضع الديكاترتية نفسها في ضدية مع الفكر المحمدي , الفكر الديني وآياته حاولوا نسف مفهوم الشك ,واعتبروا الشك مبدءا فاسدا , فالشك حسب النصوص من صفات الكفار , وفي اعلان طه حسين التزامه بالشك ,دلالة على عدم التزامه بالكتاب , وهنا تكمن المشكلة الدينية مع طه حسين , مشكلة لاتنحصر في تقييم الشعر الجاهلي وفي الموقف تجاه قصة ابراهيم وغيره من الأنبياء فقط , انها أعمق من كل ذلك بدرجات ,
لم يقتصر صدام طه حسين على المؤسسة الدينية , انما تعدى ذلك الى المؤسسة العروبية , فطه حسين كان مصريا وقطريا ويتعارض كليا مع عفلق والارسوزي وغيرهم , اتهم العرب انهم استبدوا بمصر , وحول عروبة مصر وضع العديد من علامات الاستفهام , لم يفكر طه حسين كما فكر ساطع الحصري بكون العربي هو من يتكلم العربية , أو كما فكر عفلق عن كون العروبة اسلام والاسلام عروبة عروبة.
لم يواجه صه حسين الأزهر ومشايخه فقط , انما واجه العروبيين أيضا, ففي كتنابه “مستقبل الثقافة في مصر” أكد بأن مصر ليست جزءا من الشرق , لابالمفهوم الجغرافي ولا بالمفهوم الثقافي , مصر تنتمي الى حضارة حوض المتوسط , ونهوض مصر الثقافي مرتبط بجذورها الفرعونية وشخصيتها المصرية القومية , والتي مثل الدين قشرتها الخارجية فقط , لقد فقد طه حسين البصر بسبب مرض الرمد, زوجته كانت عينه , الا أنه امتلك الكثير من البصيرة ..
