سمير صادق, ما بيطار :
قادت الحروب الدامية خاصة في السنين الأخيرة , حتى قبل أن تتوقف , الى تدمير ذاتي متبادل , بالأصح تدمير كلي شامل , هذه الحرب كانت فصلا من فصول حروب القرون الأربعة عشر الأخيرة أو شكلا من أشكال هذه الحروب , حروب ملأت الفضاء العربي سابقا بمضمون امبراطوري, وأفرغت هذا الفضاء من مضمونه الأخلاقي والقيمي , لم يكن للحرب السورية في السنوات الأخيرة مضمون أمبراطوري , فسوريا ليست أمبراطورية , ولم تكن أمبراطورية ,الحرب السورية أفرغت الفضاء السوري ايضا من مضمونه الأخلاقي والقيمي , وبذلك تحولت الى عدمية بالمطلق , لا أمبراطورية ولا أخلاقية ولا قيمية حقيقية , انما خراب وتفكك وانهيار البنية الاجتماعية للشعوب .
في سوريا اختل وارتج بفعل هذه الحرب مفعول حضارة الماضي القديم الانساني , فشعوب سوريا كانت وديعة وخلاقة ومنحضرة , ولم تكن لسوريا مستعمرات , وتاريخها كان بمعظمه بصيغة مستعمرة من قبل الغير, هذه النقطة كانت ولا تزال شهادة للرقي وتحضر السلوك البشري , بعكس شعوب الفتوحات والاحتلالات , التي يتطلب القيام بها الكثير من الأنانية والتوحش والعدوانية .
من يصنع الحرف لايصنع السيف , واستعمالات الحرف تختلف جذريا عن استعمالات السيف , لم يكن للسيف سوى فعل ومفعول توحشي , انه تاريخ وحوش البراري المفترسة , لقد رأينا الماضي بالعين المجردة بعد أن تم استحضاره كنسخة طبق الأصل الى الحاضر , لم يعد السبي والحرق والذبح وبيع النساء في أسواق الجواري مادة تصور أو معلومة تقدمها كتب التاريخ , لقد أصبح هذا الماضي حاضرا بقضه وقضيضه ,ملموسا ومرئيا بسكاكينه ومذابيحه , واصبح التفاخر بعظمته تشدق وعلاك , لابل مظهرا من مظاهر الأمراض النفسية , العروبة التي احتضنته ونقلته الى الحاضر, أصبحت شبحاً مطارداً ومنتحرا, أما الاخونج بأهدافه السلفية بخصوص التعامل مع الماضي , فقد ظهر على حقيقته , مجرما منفلتا ومفترسا ,اياكم والظن بأن الاخونج يقتصر على الفصائل , فكل من حارب هم اخونج بألوان سياسية مختلفة .
لقد فشل العروبيون الاخونج في القرن الأخير, وأفشلوا سوريا معهم , التي لم تتمكن من الالتزام بمنهج يمكنها من التطوير والترقي , فلا هي علمانية , ولا هي أصولية واضحة , الا أنها عروبية وأصولية مبهمة الماهية, قضي على البلاد من قبل العروبة الاخونجية , التي قضت نحبها انتحارا دون أن يقضي عليها أحد , قضي على الاخونج بتجرثمه الداخلي …. ينتحر ولكنه لم يمت تماما !!
لقد جعلوا ظروف الحياة صعبة التحمل والمستقبل صعب التأمل , هناك من فقد أعصابه وتمنى زوال الدولة الحقيرة بكاملها ! وهناك من يتمنى عودة الاستعمار , يدعي البعض ان 76% من الناس يريدون عودة الاستعمار , وما هي قيمة دولة حولت القيم من الجيد الى عكسه ,حتى الكلمة فقدت دلالاتها وأصبح الدجل مضمونها , لم يتوقف الحديث عن الاصلاح لحظة طوال العقود الماضية , وفي ظل التبشير بالاصلاح نمى الفساد وترعرع وتنشط وتمدد , واقعيا فقدت مفردة “اصلاح” حتى معناها المعجمي , كلمة لا تتضمن من دلالة , الا ضمانها لحرية الفساد , هناك حرية في هذه البلاد , فالفساد حر بالمطلق !!! ,وبذلك نال الفساد عن طريق “الاصلاح” حقوقه بالانفلات المطلق ,أصبح حرا في اجاعة الانسان … لا ماء ولا كهرباء ولا دواء وقريبا حتى لاهواء , الشيئ الوحيد الذي نمى في هذه البلاد التعيسة سرطانيا كان الفساد , والشيئ الوحيد الذي يمكن انتظاره الآن هو وفاة الوطن ,فموت الوطن حتمي , كالموت في نهاية الأفلام ……مات من مات , وأولهم الوطن, تعازينا الحارة ,هل هناك من نطلب له طول البقاء؟؟
