لعل أكثر المفارقات إثارة للسخرية في التاريخ الحديث أن الإنسان ، بعدما قرر تحرير نفسه من سلطة العاطفة والأوهامز، انتهى إلى بناء عالم يحتاج فيه إلى استعادة إنسانيته من جديد ، فقد أقنعته العقلانية بأنه قادر على تفسير الوجود وإخضاع الطبيعة وتنظيم الحياة وفق قوانين المنطق والحساب ، لكنه اكتشف ، في المقابل ، أن العالم الذي بناه بعقله ليس بالضرورة عالماً يستطيع أن يعيش فيه بقلبه ، وكأن البشرية ، بعد قرون من الاحتفاء بالتقدم ، وصلت إلى لحظة بات عليها فيها أن تسأل نفسها : ما جدوى أن نفهم العالم إذا كنا نفقد قدرتنا على الشعور به؟ ، من هنا يمكن فهم الرومانسية ، لا باعتبارها نزعة عاطفية أو انغماساً في الخيال ، وإنما بوصفها احتجاجاً ثقافياً وفلسفياً على تغوّل العقل الأداتي واختزال الإنسان في حدود المنفعة والمصلحة ، فقد ظهرت في سياق تاريخي شهد تحولات عميقة في الفكر الأوروبي ، خصوصاً مع عصر التنوير والثورة الصناعية ، حين أخذ العقل يحتل موقعاً مركزياً في تفسير العالم وإعادة تشكيله ، غير أن هذا الصعود ، على الرغم من إنجازاته العلمية والمعرفية ، أفرز أيضاً شعوراً متزايداً بأن الإنسان بدأ يفقد شيئاً من علاقته بالطبيعة وبذاته وبالمعنى الأوسع للحياة .
الرومانسية في مواجهة العقل المادي:حين يصبح الإنسان غريباً عن نفسه …
مروان صباح :
nov-3-2026
لم تكن الرومانسية ، بهذا المعنى ، رفضاً للعقل بقدر ما كانت رفضاً لتحويله إلى مرجعية وحيدة للحياة ، فقد أعادت الاعتبار إلى العاطفة والخيال والذات الفردية ، واعتبرت الطبيعة فضاءً للتأمل ومصدراً للجوهر ، لا مجرد مادة خام قابلة للاستغلال كالمعادن ، وكان الرومانسيون يحاولون استعادة الإنسان من عالم أخذت الآلة فيه تتقدم على التجربة الإنسانية ، والإنتاج على التأمل ، والحساب على الشعور ، لكن المفارقة أن هذا التمرد الثقافي والجمالي تزامن مع ولادة عالم آخر أكثر قسوة ؛ عالم راحت فيه الصناعة الحديثة توسّع قدرات الإنسان على الإنتاج ، لكنها وسّعت ، في الوقت نفسه ، قدرته على التدمير ، فالتاريخ الذي شهد ازدهار الشعر والرسم والموسيقى الرومانسية كان يشهد أيضاً تحولات اقتصادية وسياسية وعسكرية أعادت تشكيل موازين القوة ، ومع التوسع الصناعي والإمبراطوري ، أصبحت المصالح المادية محركاً أساسياً للصراعات ، وتحولت منجزات العلم والتقنية ، في حالات كثيرة ، إلى أدوات لإدارة الحروب وإنتاج الموت على نطاق واسع ، وهكذا نشأت مفارقة الحداثة : العقل الذي وعد بتحرير الإنسان من الخرافة لم يمنع السلطات من استخدامه في بناء أنظمة للهيمنة ، والتقدم الذي بشّر بتحسين الحياة لم يحل دون تحويل الإنسان نفسه إلى رقم في حسابات الدولة والاقتصاد والحرب .
ولعل لوحة الفنان الألماني كاسبر دافيد فريدريش ، «المتجوّل فوق بحر الضباب» (1818)، تختصر جانباً عميقاً من هذه المفارقة ، يقف رجل على مرتفع صخري ، مولياً ظهره للمشاهد ، فيما يمتد أمامه فضاء واسع تغمره طبقات من الضباب ، لا يبدو الرجل سيداً على المشهد ، رغم ارتفاع موقعه ، بل كائناً يواجه عالماً أكبر من قدرته على الإحاطة به ، فكل ما يراه مفتوح على المجهول ، وكل ما يظن أنه يعرفه محاط بما لا يستطيع إدراكه ، تكمن أهمية هذه اللوحة في أنها تعيد الإنسان إلى حجمه الوجودي ، بعدما أوهمته انتصاراته العلمية والصناعية بأنه قادر على السيطرة على الطبيعة وفك جميع أسرارها ، فالضباب ليس مجرد عنصر جمالي ، بل استعارة لحدود المعرفة البشرية ، وللمسافة التىّ ستظل قائمة بين الإنسان والعالم مهما اتسعت أدواته ، ومن هنا تبدو الرومانسية محاولة لاستعادة الدهشة أمام الوجود ، وتذكيراً بأن الطبيعة ليست شيئاً نمتلكه ، وأن الحياة لا تصبح أكثر اكتمالاً لمجرد أننا أصبحنا أكثر قدرة على تفسيرها .
لكن المسألة لا تتوقف عند العلاقة بين الإنسان والطبيعة ، بل تمتد إلى التناقض داخل الإنسان نفسه ؛ إذ لا يعني امتلاك الحس الأدبي أو القدرة على تذوق الجمال بالضرورة امتلاك حس أخلاقي أو إنساني ، وفي هذا السياق ، تكتسب سيرة ستالين المبكرة ، كما يعرضها المؤرخ سيمون سيباغ مونتيفيوري في كتابه Young Stalin، دلالة نقدية لافتة ، فالكتاب يتتبع المراحل الأولى من حياة جوزيف ستالين ، بما فيها خلفيته الجورجية واهتمامه المبكر بالشعر والأدب ، قبل أن يصبح أحد أكثر حكام القرن ال20 ارتباطاً بالعنف والسلطة المطلقة ، فإن استحضار هذه التجربة لا يهدف إلى الربط المباشر بين ستالين والرومانسية ، بل إلى إظهار مفارقة أكثر عمقاً : قد يجتمع الخيال الأدبي والذائقة الجمالية في شخصية واحدة مع ممارسات سياسية شديدة القسوة ، أو بالأحرى هذا النوع من الخلط هوّ في الواقع موجود بكثافة حتى لو كانت السلطة محدودة ، فالجمال الذي يتذوقه الإنسان لا يضمن بالضرورة أنه سيحترم جمال حياة الآخرين ، والثقافة التىّ يمتلكها لا تشكل ، وحدها ، ضمانة ضد الاستبداد ، وبذلك ، يصبح الفرق جوهرياً بين امتلاك الحساسية الجمالية وامتلاك الحساسية الإنسانية ؛ فالأولى قد تنتمي إلى عالم الذوق والخيال ، أما الثانية فتتجلى في الاعتراف بالآخر وبحقه في الحياة والحرية ، ويتضح ذلك في مجال تعامل الإنسان مع الحيوانات وتربيتها ، إذ يتعامل معها بطريقة تختلف تماماً عن تعامله مع الآخر .
ولعل هذه المفارقة تعيدنا إلى السؤال الأول : هل استطاع الإنسان ، بعد كل ما أنجزه من ثورات علمية وصناعية وتقنية ، أن يحافظ على قدرته على الشعور؟ فالمشكلة لم تكن يوماً في العقل ذاته ، وإنما في انفصاله عن القيم الإنسانية ، وفي تحوله إلى أداة تقيس الحياة بمقدار ما تنتجه ، لا بما تمنحه من قيمة ، وحين يصبح كل شيء قابلاً للحساب ، تتراجع المساحات التىّ لا يمكن قياسها : الحب ، والدهشة ، والخيال ، والتأمل ، والشعور بالانتماء إلى عالم لا نملك حق السيطرة المطلقة عليه ، لهذا لا تبدو الرومانسية مجرد مرحلة أدبية تجاوزها الزمن ، بل تظل موقفاً إنسانياً متجدداً في مواجهة عالم يزداد تصنيعاً وبرودة ، إنها لا تطالب الإنسان بالتخلي عن العقل ، وإنما بألا يسمح له بأن يحتكر تعريف الحياة ؛ ولا تدعوه إلى الهروب من الحداثة ، بل إلى استعادة نفسه داخلها .
وربما كانت المفارقة الأخيرة أن الإنسان استطاع ، بعقله ، أن يغيّر وجه الأرض ، لكنه لم ينجح دائماً في جعلها مكاناً أكثر إنسانية ، لقد بنى مدناً شاهقة، واخترع آلات مذهلة ، وامتلك أدوات لم يكن أجداده يتخيلونها ، لكنه ما زال يقف ، مثل ذلك المتجوّل فوق بحر الضباب ، أمام أسئلة لا تستطيع التكنولوجيا الإجابة عنها ، فليست المأساة أن يجهل الإنسان أسرار الطبيعة ، بل أن يصل إلى مرحلة يعرف فيها كيف يستغل كل شيء ، من دون أن يعرف لماذا يعيش ، وربما هنا تحديداً تبدأ الحاجة إلى الرومانسية ؛ لا بوصفها حنيناً إلى الماضي ، بل باعتبارها محاولة أخيرة كي لا يتحول الإنسان إلى أكثر الآلات تطوراً في العالم ، وأقلها قدرة على الشعور … والسلام Weniger anzeigen
