كريستيانو رونالدو .. من صناعة المجد إلى صناعة التأثير …

مروان صباح:
٧-١١-٢٠٢٦
بالصور.. نجوم كرة القدم العالمية فى أبرز 10 رسوم كاريكاتير - اليوم السابعمن أطرف مفارقات السلوك البشري أن الجماهير قد تقضي 90 دقيقة في الصراخ دفاعاً عن لاعب كرة قدم ، لكنها نادراً ما تمنح نفسها دقيقة واحدة للتساؤل عن الأسباب الحقيقية التىّ جعلتها تحبه ! فالتصفيق أسهل من التفكير ، والانتماء إلى القطيع أكثر راحة من مساءلة الخيارات ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنجم يمنح الجماهير متعة الانتصار ويعفيها مؤقتاً من أعباء الحياة ، ولعل المشكلة ليست في الجماهير بحد ذاتها ، بل في طبيعة العلاقة التى تنشأ بينها وبين الرموز التىّ تصنعها ؛ علاقة تحكمها العاطفة أكثر مما يحكمها التحليل ، ويغلب عليها الانفعال أكثر مما تحكمها المسافة النقدية .
وهذه ليست ظاهرة رياضية مستحدثة ، بل امتداد لسلوك بشري قديم ، تتداخل فيه آليات التأثير والترغيب والترهيب وصناعة الولاء ، وقد تناول نيكولو مكيافيلي هذه الإشكالية في كتابه «الأمير» ، حين ناقش علاقة الحاكم بالمحكوم ، وما إذا كان الأفضل أن يكون محبوباً أم مهاباً ، لكن ما يهمنا هنا هو أن هذه الآليات لا تتوقف عند السياسة ؛ فالرياضة ، بدورها ، تصنع رموزاً وتنتج أشكالاً من الولاء الجماعي ، قد تجعل الجمهور يرى في اللاعب أكثر من مجرد رياضي ، من هنا يبرز سؤال يستحق التأمل : لماذا يحب ملايين البشر كريستيانو رونالدو ؟ هل بسبب عبقريته الكروية وأرقامه القياسية وحدها ، أم أن هناك أبعاداً أخرى أسهمت في تحويله من نجم استثنائي إلى شخصية ذات تأثير يتجاوز حدود الملعب ؟ ، ولعل العودة إلى البدايات تمنحنا فهماً أعمق للشخصية التىّ نتحدث عنها ، فكريستيانو رونالدو لم يولد أسطورة ، ولم يبدأ مسيرته محاطاً بالأضواء والهتافات ، بل كان طفلاً برتغالياً قادماً من جزيرة ماديرا ، يحمل حلماً أكبر من إمكاناته المادية وظروفه الاجتماعية ، وفي إلى7 من أكتوبر عام 2002 ، سجل أول أهدافه الاحترافية مع سبورتينغ لشبونة أمام موريرينسي ، وكان لا يزال في ل17 عشرة من عمره ، لم يكن ذلك الهدف وحده كافياً لصناعة أسطورة ، لكنه كان إحدى العلامات الأولى في طريق طويل من الطموح والعمل والانضباط ، ثم جاءت محطته الأبرز في مانشستر يونايتد ، حيث سجل أول أهدافه مع الفريق في عام 2003 أمام بورتسموث ، قبل أن تتحول موهبته تدريجياً إلى ظاهرة كروية عالمية ، تماماً كما أن هدفه المباشر الرائع من ركلة حرة ضد إسبانيا في كأس العالم 2018 ، خلال مباراة البرتغال وإسبانيا التىّ انتهت بالتعادل 3-3 ، كان هذا الهدف الثالث لرونالدو في المباراة ، وأكمل به أول هاتريك له في تاريخ كأس العالم ، ومن المهم هنا ألا نختزل قصة رونالدو في هدف أو مباراة أو بطولة ؛ فشهرة النجوم لا تصنعها لحظة واحدة ، بل تصنعها سنوات من المثابرة والقدرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات ، وربما تكمن إحدى أهم الرسائل في تجربته في أن الموهبة قد تفتح الباب ، لكن الانضباط والإصرار هما ما يسمحان للإنسان بالبقاء في القمة .
في تقديري ، تكمن الإجابة في اجتماع ثلاثة عناصر : الموهبة ، والانضباط الشخصي ، والصورة الإنسانية ، فبعيداً عن أهدافه وألقابه ، ارتبط اسم رونالدو بمبادرات إنسانية متعددة ، من بينها دعمه للأطفال المتضررين من الحروب ، ومساهمته في حملات منظمة «أنقذوا الأطفال»، فضلاً عن مشاركته، بالتعاون مع وكيل أعماله، في دعم مستشفيات برتغالية خلال جائحة كورونا ، وتبرعه بجائزة الحذاء الذهبي لبناء المدارس بغزة ، وهي مواقف تمنح نجوميته بعداً يتجاوز القيمة التجارية والإعلامية .
لكن المثير للاهتمام في شخصيته ليس التبرعات الكبيرة وحدها ، بل التفاصيل الإنسانية الصغيرة أيضاً ؛ فقد بقي وفياً لذكرى نساء كنّ يقدمن له ولأصدقائه وجبات مجانية عندما كانوا أطفالاً ويعانون ظروفاً مادية صعبة ، وبعد سنوات طويلة ، أطلق نداءً للعثور عليهن ، ومن بينهن باولا ليكا ، التىّ دعاها إلى العشاء عام 2019 تقديراً لموقفها ، وربما تكشف هذه الحكاية عن جانب أكثر عمقاً من صورة النجم ؛ فالوفاء الحقيقي لا يُقاس بما يقدمه الإنسان عندما يصبح قادراً ، بل بقدرته على تذكّر من وقفوا إلى جانبه عندما لم يكن يملك شيئاً ، وهنا تحديداً تبدأ المسافة بين النجومية والقيادة ، فليس كل لاعب موهوب قائداً ، وليس كل مشهور صاحب تأثير إيجابي ، القيادة لا تتحدد فقط بالقدرة على فرض الحضور أو تحقيق الانتصارات ، وإنما أيضاً بكيفية التعامل مع الآخرين ، واحترام العاملين ، والوفاء للمواقف ، وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع ، وعندما تجتمع هذه الصفات مع الحضور الجماهيري الواسع ، يصبح النجم قادراً على توظيف شهرته في مساحة تتجاوز المنافسة الرياضية .
ولعل المقارنة التاريخية الأكثر دلالة في هذا السياق هي تجربة النجم الإيفواري ديدييه دروغبا ، ففي عام 2005 ، استثمر دروغبا مكانته الرياضية في توجيه نداء مؤثر إلى أطراف الحرب الأهلية في ساحل العاج ، مطالباً بوقف القتال ، لتتحول كرة القدم إلى مساحة رمزية للمصالحة الوطنية ، لم يكن تأثيره هنا مرتبطاً بتبرع مالي أو مبادرة خيرية تقليدية ، بل باستخدام شعبية الرياضة في لحظة تاريخية شديدة الحساسية ، وبين دروغبا ورونالدو تتجلى صورتان مختلفتان للقيادة الإنسانية : لاعب يوظف مكانته في تقريب مجتمع منقسم ، وآخر يستثمر شهرته في دعم المبادرات الإنسانية والاجتماعية .
وبالطبع ، لا يعني ذلك تقديم رونالدو باعتباره شخصية مثالية أو وضعه فوق النقد ؛ فالإنجازات الإنسانية لا تمنح أحداً حصانة من المساءلة ، كما أن الإعجاب لا ينبغي أن يتحول إلى عبادة للأشخاص ، لكن الإنصاف يقتضي النظر إلى الصورة كاملة ، بعيداً عن التعصب الرياضي الذي يحصر قيمة اللاعب في مباراة خسرها أو بطولة لم يحققها.
ربما لهذا السبب تحبه الجماهير ؛ فهي لا ترى فيه مجرد لاعب يسجل الأهداف ، بل حكاية صعود وإصرار وانضباط ، وشخصية صنعت مجدها بجهد استثنائي ، ثم امتلكت مساحة من التأثير خارج الملعب ، وقد تغضب منه عندما يخفق في تحقيق طموحاتها ، لكنها سرعان ما تستعيد إعجابها به عندما يذكرها بأن قيمة النجومية لا تتوقف عند حدود المستطيل الأخضر .

في النهاية ، هل سنشاهد الدون مدربًا لأحد الأندية الكبرى في المستقبل القريب؟ ، ربما ، قد تصنع الأهداف أسطورة رياضية ، وتصنع البطولات مجداً تاريخياً ، لكن المواقف الإنسانية هي التىّ تمنح النجومية معناها الأعمق ، فالفارق بين لاعب عظيم وقائد مؤثر ليس دائماً في عدد الكؤوس التىّ يرفعها ، بل في الأثر الذي يتركه عندما تنتهي المباراة ، ويغادر الجمهور المدرجات ، وتبقى للإنسان حياته خارج الأضواء … والسلام 🙋‍♂️

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *