فارس دنو :
01-11-2026
في اللحظة التي يصل فيها من لا يملك أدنى مقومات الكفاءة إلى قمة الهرم تتوقف الحماقة عن كونها صفة فردية عابرة لتصبح نظاماً له آلياته وبنيته ومستفيدوه المقولة التي تقول يصنعون من الحمقى قادة ثم يتساءلون من أين أتى الخراب ليست مجرد حكمة عابرة بل هي تشخيص دقيق لخلل بنيوي يعانيه العالم المعاصر وتناوله المفكر الكندي آلان دونو بالتفكيك في كتابه نظام التفاهة إن السؤال عن مصدر الخراب لا ينبغي أن يبحث عن إجابة في السماء أو في الصدفة بل في الآليات التي رفعت هؤلاء الحمقى إلى سدة القيادة وفي الوعي الجمعي الذي سمح بذلك وباركهخوف النخب التقليدية من الكفاءات الحقيقية يخشى أصحاب النفوذ الحقيقيون من أصحاب الفكر المستنير والخبرة النزيهة لأن الكفاءة الحقيقية ترفض الخنوع وتطرح الأسئلة الحرجة وتهدد المصالح الضيقة لذلك يُفضل هؤلاء تنصيب شخصيات ضعيفة الإدراك يسهل توجيهها والسيطرة عليها من خلف الكواليس
الحماقة ليست مجرد نقص في الذكاء بل هي فساد في قوة التمييز يجعل الإنسان عاجزاً عن إدراك عواقب أفعاله أو وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة لكن الخطر الأكبر لا يكمن في الأحمق ذاته بل في الأحمق المطاع الذي يملك نفوذاً يجعل الآخرين ينفذون أوامره
يتحول العجز إلى سلطة والجهل إلى مرجعية والسطحية إلى نفوذ ثم يبحث الناس عن أسباب الانهيار وكأنهم لم يكونوا شركاء في صناعة أسبابه
النظام الرأسمالي الحديث لا يكافئ الكفاءة بالضرورة بل يكافئ التوافق ففي هذا النظام يتم تصعيد الأفراد الأقل كفاءة والأقل التزاماً بالقيم المهنية شرط أن يكونوا متعاونين وقابلين للاندماج في الآلة البيروقراطية دون إثارة إشكالات هؤلاء التافهون أو المتوسطون ليسوا أغبياء بالمعنى الحرفي لكنهم يفتقرون إلى العمق والرؤية والجرأة على التحدي إنهم يتقنون فن البقاء لا فن الإنجاز ونتيجة لذلك تتحول المؤسسات إلى هياكل خالية من الروح حيث يسود من يفضل إرضاء رؤسائه على مواجهتهم بأفكار جديدة
تهميش الكفاءات وسيطرة المحسوبية والفساد وصعود من لا يملكون المؤهلات الحقيقية عبر مهارتهم في مجاراة النظام القائم فالنظام أياً كان شكله عندما يفقد بوصلته الأخلاقية والمهنية يصبح مصنعاً لإنتاج القادة الصغار الذين يحملون أحجاماً أكبر من طموحاتهم وأقل من مسؤولياتهم
الخراب لا يأتي فجأة إنه يتسرب ببطء عندما تصبح الرداءة هي المعيار وليس الاستثناء أن سيطرة المتوسطين تؤدي إلى ما يسميه أوليغارشية الرداءة حيث تصبح الجودة والتميز أموراً ثانوية ويُستبعد الأكفاء لأنهم يشكلون تهديداً لاستقرار المنظومة وعندما يُدار التعليم مثلاً بمن لا يفهم رسالته فإن النتيجة ليست مجرد سوء إدارة بل هدم لمعنى التعليم كله معلم منهك ومنهج يُستهلك بسرعة وطالب يتحول إلى رقم في كشف الحضور
وفي المجال السياسي تظهر هذه الآفة بشكل أكثر خطورة فالناخب في كثير من المجتمعات العربية إما بسبب غياب الثقافة السياسية أو تحت وطأة الحاجة يبيع صوته أو يصوّت لعصبية أو طائفية فيمنح الشرعية لمن لا يستحقها وهنا تتكشف المفارقة الكبرى الشعب الذي يختار الفاسدين أو يتغاضى عنهم يوقّع بيده على استمرار الخراب فالقائد الأحمق أو الفاسد لا يأتي من فراغ بل يصعد على أكتاف أصوات منقوصة الشرعية ووعي مغيّب تغلبت الهوية الطائفية على معايير الكفاءة والنزاهة صعد الفاشلون والحمقى إلى المناصب بينما بات من يفكر بعقلانية وموضوعية شاذاً في نظر الآخرين
يكتفي القائد الضعيف بالشعارات الرنانة والخطابات الاستعراضية الفارغة عند مواجهة الأزمات عاجزاً عن تقديم حلول حقيقية أو استراتيجيات بعيدة المدى
تتحول المؤسسات إلى هياكل بيروقراطية ميتة تستهلك الميزانيات وتُهدر الموارد دون عائد حقيقي يخدم التنمية
لكن في المجتمعات التي تتآكل فيها المعايير تنقلب المعادلة رأساً على عقب يصبح الولاء أهم من الكفاءة والشعارات أهم من البرامج والقدرة على إرضاء الجماهير أهم من امتلاك رؤية حقيقية للمستقبل
عندما يشعر الشباب والمفكرون أن الفرص مُتاحة للسطحيين والمتسلقين يصاب المجتمع بحالة من الإحباط الجماعي ويُصاب النسيج الاجتماعي بالتآكل
إن السؤال من أين أتى الخراب هو سؤال يُطرح غالباً بعد فوات الأوان وكأنه محاولة لغسل اليدين من المسؤولية لكن الحقيقة التي يكشفها نظام التفاهة ويرصدها الواقع العربي هي أن الخراب يبدأ حين نتوقف عن السؤال قبل وصول الحمقى وحين نرضى بمعايير هشة للاختيار وحين نمنح الطاعة لمن لا يستحقها لمجرد أنه يشبهنا أو يعدنا بما نريد الخراب ليس قدراً بل هو نتاج تراكمي لخيارات صغيرة وكبيرة خيار الناخب وخيار المدير وخيار المتابع على وسائل التواصل
هنا لا يعود السؤال من هو الأكثر قدرة على القيادة بل يصبح من هو الأكثر قدرة على إثارة الانفعال وتوزيع الوعود وتوظيف المخاوف واستثمار جهل الآخرين
فيُقصي أصحاب الكفاءة لأنهم يشكلون تهديداً لوجوده ويقرّب المتملقين لأنهم يوفرون له شعوراً زائفاً بالعظمة ويحوّل الاختلاف معه إلى تهمة والنقد إلى عداء والمساءلة إلى مؤامرة
وصف النظام العالمي بأنه يستبعد الجودة والكفاءة ويعلي من شأن الرداءة فإن مواجهة هذا النظام تبدأ من وعي فردي وجماعي بضرورة استعادة معايير الكفاءة والأمانة والعمق لن يتوقف صنع الحمقى بين ليلة وضحاها لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه باستمرار ليس من أين أتى الخراب بل من وضع هذا الأحمق في مكانه ولماذا سمحنا له بالبقاء عندها فقط قد نستحق قادة ليسوا مرايا لضعفنا بل نماذج لما يمكن أن نكون عليه لو اخترنا الجدية على التفاهة
وإعادة الاعتبار لقيم العلم والخبرة والكفاءة والنزاهة لتكون هي المعيار الوحيد لاعتلاء منصات القيادة والتوجيه
