مروان صباح:
ثمة مفارقة تستحق السخرية في حياة الإنسان ؛ فهو يتصرف كما لو أنه يمتلك عقداً أبدياً مع الوجود ، فيبني البيوت ، ويشتري الأراضي ، ويكدّس الأموال ، ويوسّع حدود ممتلكاته ، وكأن الموت ، حين يصل ، سيضطر إلى الوقوف أمام الباب وانتظار إذن الدخول , يقضي عمره في جمع ما لن يستطيع اصطحابه معه ، ويستنزف أيامه في حماية ما لن يستطيع الاحتفاظ به ، ثم يغادر تاركاً وراءه كل ما ظنّ أنه صنع من أجله معنى حياته ، والمثير للسخرية أن الإنسان يعرف نهايته جيداً ، لكنه يتعامل معها باعتبارها خبراً يخص الآخرين ، بين القبر وحافة الشباك ، تتكشف هذه المفارقة في مشاهد يومية متجاورة : ضوء يتسلل إلى غرفة ، وآخر يستقر على شاهد قبر ؛ عصفور يحطّ على شجرة أمام المنزل ، وآخر يقف فوق شاهد رخامي ؛ أطفال يملأون الشارع ضحكاً وصراخاً ، ثم يخفت صوتهم وهم يعبرون بمحاذاة المقبرة ؛ وردة تتفتح ، وعشب ينتظر مطر السماء ، في مكان قريب يد تحفر قبراً ، وفي مكان آخر تمتد يد لتتشبث بيد إنسان تخشى فقدانه ، جسد يتآكل في باطن الأرض ، وآخر ينمو فوقها ، هكذا تتقاسم الحياة والموت المكان نفسه ، من دون أن يحتاج أحدهما إلى إعلان حضوره .غير أن اعتياد الحياة يجعل الإنسان أقل انتباهاً إلى هذا التجاور ؛ فهو يتعامل معها باعتبارها حقيقة مستقرة ، فيما ينظر إلى الموت بوصفه احتمالاً بعيداً ، على الرغم من أنه الحقيقة الأكثر يقيناً ، يمضي في أعماله ، ويطارد رغباته ، ويعيد ترتيب أحلامه ، كأن الزمن مخزون قابل للتجديد ، وربما كان الموت الرفيق الأكثر إخلاصاً للإنسان ، لأنه الوحيد الذي لا يساومه ولا يخلّ بموعده ، لكن الإنسان يفضّل نسيانه كي يتمكن من مواصلة حياته ، ولعل هذا النسيان هو ما يدفعه أحياناً إلى البحث عن امتداد بديل لوجوده في الأشياء ؛ منزل أكبر ، وثروة أضخم ، ومكانة أعلى ، وممتلكات يتركها وراءه لتشهد على حضوره بعد غيابه ، وكأن التملك محاولة غير معلنة لمقاومة الفناء ، أو رغبة في إقناع الذات بأن ما يجمعه الإنسان يستطيع أن يمنحه شيئاً من الخلود ، وهنا يتحول الامتلاك من وسيلة لتحسين شروط الحياة إلى مشروع لتعويض هشاشة الوجود ، من هذه النقطة يبدأ التعلّق في اكتساب خطورته ؛ فالإنسان لا يكتفي بامتلاك الأشياء ، بل يسمح لها تدريجياً بأن تحدد قيمته وصورته عن نفسه ، وما كان وسيلة للعيش يصبح غاية مستقلة ، وما كان يفترض أن يمنحه الطمأنينة يتحول إلى مصدر دائم للقلق ، لم يعد منشغلاً بما لديه ، بل بما ينقصه ، ولا يقيس حياته بما أنجزه ، بل بما يمتلكه الآخرون ولم يستطع الحصول عليه ، وهكذا تنشأ مفارقة التملك : كلما اتسعت دائرة الأشياء التىّ يسيطر عليها الإنسان ، ازدادت الأشياء التىّ تسيطر عليه.
لنتأمل شاباً يحلم بامتلاك سيارة مميزة ، معتقداً أن الحصول عليها سيمنحه الاكتفاء ، وما إن تتحقق الرغبة حتى تفقد السيارة بريقها ، وتصبح المقارنة مع سيارة أكثر فخامة بداية حلم جديد ، ثم يتسع الحلم إلى منزل أكبر ، فطائرة خاصة ، فممتلكات لا تنتهي ، ليست المشكلة في السيارة أو المنزل أو الطائرة ، بل في أن الرغبة لم تعد تستجيب لحاجة حقيقية ، وإنما أصبحت تنتج حاجاتها بنفسها ، فالإنسان الذي يعتقد أنه يبني حياته قد يجد نفسه يهدم قدرته على الرضا ، ويستبدل حريته الداخلية بمطاردة لا تعرف الاكتفاء ، بهذا المعنى ، لا يكون الجشع مجرد رغبة في الحصول على المزيد ، بل خللاً في العلاقة بين الإنسان وما يمتلكه ، إنه اللحظة التىّ يفقد فيها المرء القدرة على التمييز بين الحاجة والاستحواذ ، وبين الطموح والعبودية ، فالمال الذي كان وسيلة يصبح سلطة ، والثروة التىّ وعدت بالأمان تتحول إلى قلق دائم ، وكلما حصل الإنسان على المزيد ، اكتشف أن ما ينقصه أكبر مما امتلكه .
وفي الأدب ، نجد تجسيداً عميقاً لهذه المعضلة في رواية «ماك تيغ» (McTeague) للكاتب الأمريكي فرانك نوريس ، التىّ تكشف كيف يتحول الطمع إلى قوة تدميرية تتجاوز حدود الرغبة الفردية ، فتفسد العلاقات الإنسانية وتدفع الشخصيات إلى الانهيار ، لا يقدم نوريس المال باعتباره موضوعاً للتنافس فحسب ، بل يكشف كيف يستطيع أن يعيد تشكيل الإنسان ، حتى تصبح الروابط الإنسانية نفسها خاضعة لمنطق الاستحواذ والصراع ، تكمن أهمية الرواية في أنها لا تصور الجشع بوصفه عيباً أخلاقياً مجرداً ، بل قوة تتغذى على ذاتها ؛ فالرغبة التىّ لا تعرف حدوداً لا تقود صاحبها إلى الاكتفاء ، وإنما تدفعه إلى مزيد من التورط في عالمها ، ومأساة الإنسان هنا أنه يفقد ، أثناء مطاردته للمال ، القدرة على إدراك قيمة ما يمتلكه بالفعل ، وهكذا يصبح ما ظنه مصدر قوته سبباً في انهياره ، في المقابل ، يبدو القبر النقيض الفلسفي لوهم الملكية ؛ فهو الحد الذي تتوقف عنده امتيازات الحياة ، وتنكشف محدودية الأشياء التىّ استهلك الإنسان عمره في جمعها ، لا يلغي الموت الفوارق التىّ صنعتها الحياة ، لكنه يكشف أن الملكية ليست أبدية ، وأن الثروة لا تستطيع شراء الزمن أو تأجيل النهاية إلى ما لا نهاية ، ولعل الموت ، على قسوته ، هو ما يمنح الحياة حدودها ومعناها ؛ فلولا محدودية الزمن لتحولت الرغبات إلى سباق مفتوح لا يوقفه اكتفاء ولا تحدّه قناعة .
ليس المقصود من ذلك إدانة الطموح أو الدعوة إلى الزهد المطلق ، فالإنسان يحتاج إلى أن يعمل ويحلم ويبني ويحسّن شروط حياته ، لكن الفارق يكمن في ألا يتحول الطموح إلى عبودية ، وألا يصبح النجاح مرادفاً للتراكم ، وألا يختزل الإنسان قيمته في قائمة ممتلكات ، ثمة فرق بين أن يمتلك المرء بيتاً يسكنه ، وأن يقضي حياته في بناء بيت لا يجد وقتاً للعيش فيه ؛ وبين أن يجمع المال ليكون أكثر حرية ، وأن يصبح أسيراً له إلى درجة يعجز معها عن الاستمتاع بما جمعه .
في النهاية ، ربما لا تكون المأساة الكبرى أن الإنسان يموت ، بل أن يمضي جزءاً كبيراً من حياته في الاستعداد لامتلاك المستقبل ، من دون أن يترك لنفسه مساحة كافية ليعيش الحاضر ، يطارد ما ينقصه ، متجاهلاً ما بين يديه ، ويخشى خسارة ممتلكاته فيما يخسر أيامه تباعاً .
بين القبر وحافة الشباك ، تستمر الحياة في تقديم حجتها البسيطة : عصفور يحطّ ، ووردة تتفتح ، وضوء يعبر الغرفة ، وطفل يضحك ، تفاصيل لا تحتاج إلى امتلاك العالم كي تثبت قيمة وجودها .
وربما هنا تكمن أهمية القبر ؛ ليس لأنه ينهي الحياة فحسب ، بل لأنه يكشف ، في اللحظة الأخيرة ، ما الذي كان يستحق أن نمنحه أعمارنا ، فليس أخطر ما يفعله الموت أنه يأخذ الإنسان من الحياة ، بل أن يسمح له الجشع بأن يغادرها قبل أوانه ؛ أن يبقى جسده على قيد الوجود ، فيما تكون روحه قد استُنزفت في مطاردة أشياء لن تدخل معه القبر…والسلام
See less
