من هرمز إلى باب المندب: فوضى الحقيقة وأزمة الطاقة العالمية ! 

   
مروان صباح :

كاريكاتير: النفط | كاريكاتير | الجزيرة نت في إحدى مسرحيات زياد الرحباني ، ترسخت في ذاكرة العربي عبارة تحولت إلى واحدة من أكثر العبارات تداولاً بين العرب بحكم واقعهم وتقول : «ما حدا فاهم شيء من شيء ، وكل شيء عم بصير هيك بـ”الصدفة”، والبلد ماشي بالقدرة الإلهية» ، وهي عبارة لا تختصر الفوضى السائدة في مجتمعاتنا فحسب ، بل تعكس أيضاً عجز الأفراد عن استيعاب ما يدور حولهم ، وقد نجح الرحباني في مخاطبة الوعي الشعبي بكلمات تبدو بسيطة ، لكنها تحمل أبعاداً عميقة ، غير أن الاعتقاد السائد كان أنها تخص الواقع العربي وحده ؛ ومع أزمة مضيق هرمز ، صارت العبارة تنطبق على العالم برمته ، فالأزمة في عمق البحر ، والمراقب عاجز عن بلوغ الحقيقة ، بينما تتعدد الروايات وتتشابك المصالح ، والخط الناظم لهذا المقال يسعى تسليط الضوء ليس على أزمة المضائق وأزمة ممرات المائية فحسب ، بل على الأزمة الحقيقة والأسواق والنظام عالمي ، حيث تتنازع فيها الروايات كما تتصارع فيها الإمدادات .

ويقول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن الولايات المتحدة تسيطر على المضيق ، وإن تدفق النفط والغاز يتواصل بكميات كبيرة ، ثم يطلب من الأوروبيين الإفراج عن احتياطيات الديزل ، وفي الوقت نفسه يبشر المواطنين الامريكين بحل أزمة ارتفاع أسعار البنزين بعد انتهاء الحرب ، وفي المقابل ، تعلن الولايات المتحدة أن الإيرانيين لم يتمكنوا من تصدير نفطهم منذ إعلان الحصار البحري ، بينما يعلن الحرس الثوري الإيراني سيطرته الكاملة على المضيق ، معترفاً بمرور عدد قليل من السفن ، وبالطبع ، مع الحصار القديم وتشديد الحصار الجديد ، تستمر الحياة في إيران بشكل طبيعي ، وتشير المعلومات الاستخباراتية إلى أن ديناميكية تصنيع السلاح وتصديره ، هو بالفعل أفضل من السابق ، إذنً ، أين الحقيقة؟ ربما تكمن ، على الأقل من منظور الحرس الثوري ، في تزويد الحوثيين بأسلحة حديثة ومتطورة ، وهي التىّ تمكنهم من مواجهة القوات اليمنية والتحالف العربي في اليمن ، وتحديداً بعد ازمة باب المندب .
وفي حرب أكتوبر 1973 شهدت الساحة أول أزمة نفطية ، لكن خلفيتها كانت قرار وقف بيع النفط ، أما اليوم ، فكل الأطراف على أتم الاستعداد لبيعه ، إلا أن الأمر يبقى معلقاً بأمن المضيق ، فالسفينة التىّ تتعرض لهجوم يصعب على أي شركة نقل بحري تعويضها بسهولة ، كما أن شركات التأمين في مثل هذه الظروف ستتكبد خسائر فادحة ، وإذا كانت أزمة 1973 قد صاغت ما يُسمى أمن الطاقة ، فإن أزمة المضيق تدفع المستهلكين الكبار ، مثل الصين ، إلى اتخاذ خطوات جادة لإيجاد حلول بديلة للنفط والغاز ، لكن يبقى السبب الجوهري هو إسرائيل ؛ ففي عام 1973 كان القرار العربي معاقبة الدول الداعمة لإسرائيل ، أما اليوم فالعالم يعيش جنوناً في ارتفاع أسعار النفط ، أيضاً بسبب حروب إسرائيل في المنطقة العربية ، فالارتفاع ليس أمراً طبيعياً أو قابلاً للاستيعاب ، فقد وصلت النسبة إلى 40% بعد الحرب الحالية ، وهذه السيطرة النسبية تعود إلى مساعي السعودية الرامية إلى إيجاد مخارج وترتيبات تضمن استمرار تدفق النفط ؛ ولولا ذلك لكان الوضع أسوأ بكثير مما هو عليه ، وينطبق الأمر ذاته على ما انعكس سابقاً على أزمة الغاز الروسي ، التىّ وصلت نسبة ارتفاعه في القارة الأوروبية إلى 140% ، ومع أن تراجع الدولار في السابق كان قد هدد استقرار النظام المالي العالمي ، إلا أن العرب ، من ذلك الوقت حتى اليوم ، استفادوا من ارتفاع أسعار النفط الذي أعقب حظر التصدير ، وقد انعكس لاحقاً هذا الارتفاع في التنمية بشكل عام ، وهو ما أرسى مفهوم العمالة الوافدة من الدول غير النفطية ، مثل مصر والأردن وفلسطين وسوريا ولبنان وغيرها، إلى الخليج العربي .
بالطبع ، لم يكن صراخ الرئيس ترامب بضرورة الإفراج عن احتياطيات الديزل من فراغ ؛ ففي بعض الأسواق بات البرميل يُباع بنحو 200 دولار ، أي أن النسبة ارتفعت نحو 94% ، وهو ما يهدد سفن الشحن التىّ تعمل جميعها بالديزل ، أي أن العالم أمام تهديد كبير بارتفاع جميع السلع ، طالما أن النقل يعتمد على الديزل ، وبالتالي ، من يمتلك الحقيقة؟ وكيف ستكون الحياة إذا استمرت الحرب ، وإغلاق المضيق وفتحه ، وحرب اليمن؟
وفي هذا السياق ، تؤمّن الصين النفط والغاز والديزل بأسعار تفضيلية من روسيا وإيران ، فتمنح اقتصادها وقوداً أرخص ، وتضاعف في الوقت نفسه التحدي أمام أوروبا في سباق الإنتاج ، فبينما تطمئن بكين إلى إمداداتها الطاقية بكلفة أدنى ، تجد أوروبا نفسها مُثقلة بأعباء الطاقة وهاجس أمن الإمدادات ، ما يُوهن قدرتها التنافسية في الأسواق الصناعية العالمية ، وهكذا ينتقل الصراع من عنق المضيق إلى قلب المصنع ، ومن رواية الحرب إلى اختبار قدرة الاقتصاد على الصمود .

فالمضيق قد يُفتح ساعةً ويُغلق ساعة ، لكن سؤال من يملك الطاقة ، ومن يملك الحقيقة ، يظل مفتوحاً على مصراعيه ؛ لأن الطاقة شرط البقاء ، والحقيقة شرط الرواية ، وفي النهاية ، لا تنتصر الأمم بالمدافع وحدها ، بل بالمداخن التىّ لا تنطفئ ، والأسواق التي لا ترتجف ، واليقين الذي يُولد من رماد الشك ، وهكذا يقف التاريخ على حافة ماء : إما أن يعبر ، وإما أن يبتلع من توهم أنه يملكه… والسلام 🙋‍♂️ 

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *