مروان صباح :
في زمنٍ ليس ببعيد ، كان يُقال إن العرب لا يجيدون سوى المقاهي والكلام ؛ أما اليوم ، فقد اكتشف العالم — على حين غرة — أنهم يجيدون أيضاً صناديق الاقتراع ، نعم ، يا سادة ، لقد انتقل العرب من “حكم الفنجان” إلى “حكم الصندوق”، ومن شتائم السياسيين إلى ترجيح كفتهم ، فمن كان يصدّق أن صوتاً عربياً في ديترويت أو ميشيغان قد يُقلق البيت الأبيض أكثر من قصفٍ في غزة؟ ومن كان يتصور أن ناخباً عربياً في النقب قد يُربك حسابات اليمين الإسرائيلي أكثر من صاروخٍ لم يُطلق بعد؟ يا لها من مفارقة تاريخية : أن يُصبح “المواطن العربي” — بعد عقودٍ من التهميش والوصم — لاعباً في لعبة لم يُصنع لها ، لكنه أتقنها رغماً عن الجميع ! ، والمفارقة الكبرى : بينما يتصاعد الوزن الانتخابي للعرب في إسرائيل والغرب ، تتعرض القضية الفلسطينية — مركز الثقل العربي — لأشد هجمة وجودية في تاريخها ، فالصوت يكبر ، والقضية تُباد ؛ والانتخابات تُصنع ، والجغرافيا تُغيَّر ، فهل يكفي الصندوق لتعويض ما فقدته البنادق؟لم يكن أحد يتصور ، قبل عقود قليلة ، أن يكون للعرب — سواء في إسرائيل أو أوروبا أو الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية — وزنٌ مؤثر في العمليات الانتخابية التشريعية والرئاسية ، لو قيل لأحدهم قبل 50 عاماً إن صناديق الاقتراع ستستجيب يوماً للصوت العربي ، لَقُوبل ذلك بسخرية عارمة أو نوبة ضحك هستيرية ، غير أن ما كان مستبعداً بالأمس أصبح واقعاً اليوم ؛ بل إن هذا التحول لم يعد مجرد ظاهرة عابرة ، وإنما يشكّل مرحلة انتقالية مفصلية لأحفاد عرب 1948، الذين تعرضوا لإبادة جماعية منهجية ، فالنكبة ، بكل حيثياتها وأسبابها وأدلتها وأحكامها ، ليست سوى إبادة بالمعنى الدقيق للمصطلح ، وما تعرّض له قطاع غزة مؤخراً هو الإبادة الثانية بهذا المستوى من الوحشية ، وهنا تتكشّف المفارقة الأولى في : فبينما كان الجيل الحالي من عرب الداخل يبحث عن موقعٍ له في المعادلة الإسرائيلية ، كانت غزة تُسحق تحت وطأة حربٍ لا مثيل لها ، وإذا كان الاحتلال قد تكبّد في عملية “طوفان الأقصى” خسائر تُقدَّر بنحو 1200 قتيل وأسر 250 إسرائيلياً — كرد فعل على اقتحامات المستوطنين المتكررة للمسجد الأقصى بهدف تغيير الوضع القائم ، أو على سياسات الضفة الغربية والقدس عموماً — فإن الدمار الشامل الذي حلّ بالقطاع ، وأعداد الضحايا من الأبرياء ، لا يتناسب بأي معيار مع حجم عملية العبور التىّ نفذتها كتائب القسام داخل الأراضي الإسرائيلية ، وبالطبع ، لم يكن لهذه الوحشية أن تتحقق لولا أن واشنطن وإدارة الرئيس بايدن زوّدت الإسرائيليين ، خلال ساعات قليلة ، بشحنات الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية وكل ما يسهم في الإبادة ، فالمسألة لا تتعلق فقط بالمواقف السياسية والدبلوماسية ، بل إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت شريكاً رسمياً في قتل الأبرياء والأطفال الفلسطينيين ، ولهذا ترفض واشنطن أي إجراءات قانونية على المستوى الدولي .
وكما تحوّل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى حرب مفتوحة في الإقليم ، فإن الاحتجاجات التىّ شهدتها الدول الغربية — وولايات أمريكية وجامعات أوروبية تحديداً — أدت إلى تغييرات واسعة في نتائج الانتخابات ، فقد امتدّ ارتداد الحرب على غزة ليصل العالم بأسره ؛ وهكذا ، تحوّلت القضية الفلسطينية من قضيةٍ إقليمية إلى قضيةٍ عالمية حاضرة في كل صندوق اقتراع ، والقضية الفلسطينية ، سواء في شأنها الرسمي أو كقضية شعب يتعرض منذ عقود طويلة للإبادة والحصار والتنكيل والاستيلاء والطرد وكل أشكال الاضطهاد ، لا تزال حتى اليوم تجد في إسرائيل مساحة للتعبير عن ذاتها — سواء في الانتخابات الإسرائيلية أو حتى في الأراضي الفلسطينية المخصصة للدولة الفلسطينية — أكثر بكثير مما تجده في الدول العربية التىّ لجأ إليها الفلسطينيون ، وهذه مفارقة أخرى تستحق التوقف ، لكن ما يثير الدهشة حقاً هو أن الفلسطينيين في قطاع غزة — كما يمكن لأي مراقب أن يتفهم — لم يكونوا قادرين على منع إسرائيل من اجتياح غزة وتدميرها ، والأسباب معروفة : حصار محكم واختلال موازين القوى ، أما ما جرى مع نظام الأسد من سقوط مدوٍّ ، أو حتى عدم قدرة حزب الله والميليشيات المتحالفة معه على تنفيذ عملية السيطرة على الجليل والتمركز فيه ، فقد كان المفاجأة الكبرى .
فكل هذه السنوات من المواجهة ، ومع توفير الإمكانات وربط الحدود بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت ، كانت التوقعات أكبر من ذلك بكثير ، بل إن قدرة المقاومة على فرض قوتها داخل لبنان ، على سبيل المثال ، كانت تفوق بأضعاف قدرتها على مواجهة إسرائيل ، وينطبق هذا أيضاً على إيران في مواجهتها مع إسرائيل والولايات المتحدة ، وهنا يبرز سؤال محوري : إذا كانت مواجهات إسرائيل مع المقاومة وإيران في السنوات الأخيرة هي الأقسى والأشرس منذ تأسيسها ، فما الذي يعنيه ذلك للمرحلة القادمة؟ ، وإذا كانت عملية “طوفان الأقصى” هي التىّ أفقدت نظام الأسد القدرة على مواصلة الاحتماء خلف المقاومة وإيران ، وكشفت صورته الحقيقية أمامهم ، فإن إسرائيل — صحيح — لم تنهار كلياً ، لكن صناديق الاقتراع في الانتخابات القادمة ستشكّل الانهيار السياسي الداخلي ، فبعد كل هذه الوحشية ، وبعد كل هذا الاستنزاف ، سيجد الناخب الإسرائيلي نفسه أمام حساباتٍ جديدة : من يتحمل مسؤولية ما جرى؟ ومن سيحمي إسرائيل من نفسها؟
وهنا تعود المفارقة الكبرى لتطلّ برأسها : ففي الوقت الذي تُستنزف فيه القوى الفلسطينية كافة ، وتفقد أوراقها السياسية وقدرتها على المناورة — بعدما جعل الاحتلال غزة غير قابلة للحياة ، ودفع المستوطنين لمواصلة هجماتهم اليومية في الضفة والقدس بحق الفلسطينيين — فإن الانتخابات الإسرائيلية الداخلية ستكون لهم المرحلة الجديدة في المستقبل ، وأهم ما حققته عملية “طوفان الأقصى” هو إخراج إسرائيل من هندسة الشرق الأوسط ، وإفقاد “الاتفاقات الإبراهيمية” جوهرها ومضامينها ، فاليوم ، باتت تركيا والسعودية وباكستان القوى الأولى في المنطقة ، تماماً كما أصبحت إسرائيل تُوصَم بتهمة الإرهاب في الغرب ، أما المحكمة الدولية ، اليوم أو غداً ، فستستكمل مهامها في ملاحقة المجرمين والمسؤولين عن إبادة الفلسطينيين في قطاع غزة ؛ فهذه مسألة وقت فقط ، وفي ظل هذه الهمجية التىّ تتغاضى عنها الدول الكبرى ، تواجه إسرائيل تحدياً جديداً ليس أقل خطورة من التحديات السابقة ، تماماً كما يواجه العرب تحدّيين : الأول التمدد الإسرائيلي ، والثاني التمدد الإيراني .
إن إعلان الولايات المتحدة الانسحاب من العراق ليس سوى إقرار بنفوذ إيران وتمدّدها في العراق ، وتحويله إلى ولاية تابعة لطهران ، وهذا يعني أن إيران ، بمقدرات الدولة العراقية ، باتت أقوى بكثير مما كانت عليه سابقاً ؛ لأن الكلمة العليا في العراق ، ببساطة ، تبقى للأحزاب السياسية ال12 ، التىّ تمتلك جميعها ميليشيات مسلحة مرتبطة تاريخياً بإيران والحرس الثوري ، وهكذا ، يكتمل المشهد: إسرائيل تُستنزف سياسياً ، وإيران تتمدد استراتيجياً ، والعرب — بين هذا وذاك — يبحثون عن صوتٍ في صندوق اقتراعٍ لا يشبه خرائط النفوذ التىّ تُرسم على الأرض .
وهكذا ، يقف العرب اليوم أمام مشهد تاريخي بالغ التعقيد : من جهة ، يمارسون تأثيراً انتخابياً غير مسبوق في الغرب وإسرائيل ؛ ومن جهة أخرى ، يرون قضيتهم المركزية تُباد أمام أعين العالم ، فبين صندوق اقتراعٍ يُصوّت ومدفعٍ يُدمّر ، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً : هل يكفي الصوت الانتخابي لصناعة تاريخٍ جديد ، أم أن الديموغرافيا وحدها لا تكتب النهايات؟

لكل انسان الحق في الانتماء الى توجه سياسي يتفق تأسيسه مع قوانين الدولة المعنية بالأمر , ولا بد في هذه الحالة من أن يكون لهذا التوجه السياسي تأثيرا على شكل الحكومة , وشكل الحكومة يقرر بالانتخابات , خضعت الحركة الصهيونية للشروط التي ذكرتها وأصبح لها تأثيرا كبيرا على نتائج الانتخابات وبالتالي شكل الحكومة , لم يتم تشكيل التأثير الصهيوني خلال يومين انما تطلب وقتا وجهدا كبيرا , بالنسبة للعرب الأمر صعب ويتطلب جهدا كبيرا ووقتا طويلا ولا أوافق الكاتب على ذلك التقاؤل المفرط كما لا اوافقه على ماذكره بخصوص ايران والعراق , فقبل ان تهيمن ايران على العراق بالشكل الذي قدمه الكاتب يجب ان يكون لايران الملالي وجود مستقبلا , وهل الكاتب متأكد من أن الملالي باقون ؟؟؟؟؟,الملالي زائلون لأن ميزان القوى العسكري ليس من صالحهم كما أنهم لايمثلون قدوة لأي دولة , من يحارب كل العالم او جزء كبير منه سيخسر , لقد قيل ذلك لهتلر والنازية الألمانية ولم يقتنع وكان ان زالت النازيةم.بيطار