08 أكتوبر 2026
السؤال المطروح اليوم في العلاقة السورية– الإسرائيلية ليس ما إذا كانت سورية قادرة على خوض حرب مع إسرائيل؛ فميزان القوى العسكري يجعل هذا الاحتمال غير واقعي في المرحلة الحالية. كما أن القضية ليست افتراض حرب إسرائيلية شاملة أو احتلال طويل الأمد لسورية. السؤال الأكثر واقعية وخطورة هو: هل تستطيع دمشق استخدام مناوشة عسكرية محدودة على الحدود لردع إسرائيل عن توغلاتها، أم أن مثل هذه المناوشة قد تتحول إلى تصعيد يتجاوز قدرة دمشق على التحكم به، وربما يفتح الطريق أمام عملية إسرائيلية تصل إلى دمشق؟
المشكلة الأساسية أن الردع العسكري لا يقوم فقط على امتلاك القدرة على إطلاق المواجهة، بل يحتاج أيضًا إلى القدرة على ضبط مسارها وحدودها. وهذه القدرة تبدو محدودة جدًا لدى دمشق في الظروف الحالية. فإسرائيل تمتلك تفوقًا جويًا واستخباراتيًا وعسكريًا كبيرًا، وتستطيع، إذا قررت توسيع المواجهة، نقلها بسرعة من نقطة حدودية إلى أهداف أعمق داخل الأراضي السورية.
وتبقى تجربة السويداء مثالًا لا يمكن تجاهله؛ فقد أظهرت التفوق العسكري الإسرائيلي، وكشفت خللًا جوهريًا في قدرة دمشق على التحكم بمسار التصعيد وحدوده. فعندما دخلت القوات السورية إلى السويداء، جاء التدخل الإسرائيلي سريعًا ومباشرًا، واضطرت القوات السورية إلى الانسحاب. وبصرف النظر عن تفاصيل تلك المواجهة، فإن دلالتها الأهم تكمن في أن دمشق لم تكن تملك، عمليًا، الأدوات التي تمكنها من فرض حدود واضحة للتدخل الإسرائيلي.
الردع العسكري لا يقوم فقط على امتلاك القدرة على إطلاق المواجهة، بل يحتاج أيضًا إلى القدرة على ضبط مسارها وحدودها، وهي قدرة تبدو محدودة جدًا لدى دمشق في الظروف الحالية
ومن هنا تأتي خطورة فكرة “المناوشة المحدودة”. قد تبدأ المواجهة بهدف واضح: إرسال رسالة ردع ومنع إسرائيل من تكرار توغلاتها في الجنوب، لكن من يضمن أن تبقى محدودة؟
إذا كانت دمشق هي الطرف الأضعف عسكريًا، فإن قدرتها على تحديد مستوى التصعيد تصبح محدودة بدورها. تستطيع سورية أن تقرر كيف تبدأ المواجهة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تقرر كيف سيكون الرد الإسرائيلي، ولا إلى أي مدى يمكن أن يمتد.
وهنا يجب التمييز بين سيناريوهين مختلفين تمامًا. الأول هو حرب شاملة أو احتلال إسرائيلي لسورية، وهو سيناريو يحمل تكاليف عسكرية وسياسية كبيرة. أما السيناريو الثاني فهو عملية إسرائيلية قصيرة وعميقة: ضرب أهداف استراتيجية، أو التقدم لمسافة كبيرة داخل الأراضي السورية، وربما الوصول إلى محيط دمشق أو ضرب أهداف فيها، ثم التراجع تحت ضغط أميركي ودولي.
وهذا السيناريو لا يحتاج إلى احتلال طويل أو حرب مفتوحة. فقد يكون الهدف، في حال وقوعه، إظهار القدرة الإسرائيلية على الوصول إلى عمق الدولة السورية وفرض معادلة ردع جديدة، ثم الانسحاب بعد تحقيق الأهداف.
كما لا ينبغي بناء أي استراتيجية على افتراض أن المجتمع السوري، بعد 15 عامًا من الحرب والقتل والنزوح والانهيار، سيدخل تلقائيًا في مواجهة طويلة. قد ترفض قطاعات واسعة أي توغل إسرائيلي، لكن حجم الإرهاق الاجتماعي والرغبة في تجنب حرب جديدة يجعلان طبيعة وحجم ردة الفعل الشعبية أمرًا لا يمكن افتراضه مسبقًا.
لذلك فإن المشكلة السورية لا تتمثل فقط في نقص القوة العسكرية، بل في غياب أداة ردع يمكن التحكم بها. وهذا يجعل المسار الدبلوماسي أكثر أهمية، لا أقل. فالولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط على إسرائيل وتركيا وسورية، وتركيا أصبحت لاعبًا رئيسيًا في التوازن الأمني داخل سورية. كما أن الاتصالات السورية–الإسرائيلية بوساطة أميركية أظهرت أن التفاوض على ترتيبات أمنية ممكن، حتى مع استمرار الخلافات حول مضمون هذه الترتيبات.
المطلوب في هذه المرحلة ليس اختبار القوة العسكرية السورية في مواجهة إسرائيل، وإنما تحويل نقاط الضعف العسكرية إلى أوراق سياسية: وقف التوغلات، تثبيت ترتيبات أمنية متبادلة، ضمان احترام السيادة السورية، والحصول على ضمانات دولية، ثم الانتقال من التهدئة الأمنية إلى تسوية سياسية أوسع.
فالسلام لا يأتي بالضرورة مباشرة من أول اتفاق أمني، لكنه قد يصبح ممكنًا عندما تنجح هذه الترتيبات في تثبيت الهدوء، وبناء الثقة، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية أوسع.
وفي النهاية، ليست المسألة كيف تستطيع دمشق أن تخوض مواجهة مع إسرائيل، وإنما كيف تستطيع أن تمنع الوصول إلى مواجهة لا تملك أدوات التحكم بها.
فالهدف السوري في هذه المرحلة ليس الوصول إلى تل أبيب، ولا هزيمة إسرائيل، ولا خوض حرب جديدة. الهدف هو ألا تصل إسرائيل إلى دمشق.
