سبّاك في قمرة القيادة : مسرحية صهيونية بين عقد اللحم وقطرة الدم …

مروان صباح :

كاريكاتير من صحيفة البيان الإماراتية | أخبار سياسة | الجزيرة نت      ما يلفت في حكاية طائرة «فلاي دبي» ليس سبب العراك ولا خلفيته ، ولا أين هبطت ولماذا ، ولا السجال الذي دار بين الأطراف السياسية ، بل الأهم هو أن الرئيس دونالد ترمب رأى فيها «تمثيلية فاشلة» في الفكرة والإنتاج والسيناريو والإخراج والتمثيل ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين سأل ساخرًا عن مهنة من قاد الطائرة : «هل رأيتم سباكًا يقود طائرة؟» وكما يبدو ، فإن نتنياهو جاء بمن هو أكثر منه كذبًا ، فالتقيا على مسرح الشعب الإسرائيلي ، في مثل هذه الحالات ، حين تفقد الطائرة سيرها الطبيعي وتهبط بهذه السرعة نحو الأسفل ، غالبًا لا يستطيع الطيارون المشهود لهم بخبرة عالية جدًا السيطرة عليها وإعادتها إلى طبيعتها ، فكيف لموسرجي «سباك» أن يفعل ذلك؟ يبدو أن تجربة طائرة نتنياهو قد أسست لمدرسة جديدة في علوم الطيران : يكفي أن تكون خبيرًا في السباكة لتصبح مؤهلًا لتدريس الطيران الدولي ! أما المفارقة الأكثر إثارة ، فهي أن ساكن البيت الأبيض يبدو مستعدًا للتظاهر بتصديق هذه «الخبرات» إلى درجة يصبح معها الفرق بين مهندس الطيران والسبّاك مجرد تفصيل تقني لا يستحق التدقيق … المهم أن الطائرة أقلعت ، وأن التضليل وصل إلى المدرج قبلها ، وهنا تتحول حكاية الطائرة إلى استعارة سياسية : قيادة تظن أن الخطابة والتمثيل تعوض الكفاءة ، وأن الإخراج الإعلامي يمكن أن يغني عن الخبرة ، لكن السخرية لا تتوقف عند قمرة القيادة ، بل تمتد إلى الركاب أنفسهم : من هم؟ وما أصولهم؟ ولماذا يجمعهم مشروع واحد رغم تعدد جذورهم؟ ، فهل حكاية السباكة تشبه حكاية الصهيونية .

يبقى أصول الركاب الإسرائيليين ليست واحدة ، فهم في نهاية الرحلة استوطنوا أرض فلسطين ، لكنهم جاءوا من جغرافيا مختلفة ، الأشكناز عُرفت أصولهم من ألمانيا ، منطقة الراين ، ثم بولندا وليتوانيا وشرق أوروبا ، وأما السفارديم ارتبطوا بإسبانيا والبرتغال ، وبعد طرد اليهود من شبه الجزيرة الإيبيرية في أواخر القرن الخامس عشر ، انتشر كثير منهم في الدولة العثمانية وشمال أفريقيا وأوروبا وغيرها ، أما الرومانيوت ، وهم الأقدم كما هو معروف ، فقد عاشوا وجاؤوا من اليونان والبلقان ، وهناك أيضًا اليهود الشرقيون «المزراحيم» الذين استقروا تاريخيًا في العراق وإيران واليمن وسوريا وغيرها ، وليسوا «يهودًا أوروبيين» ، هذا التنوع ينسف فكرة «الشعب الواحد» ذي الأصل الواحد ، لكن السؤال يبقى : ما سبب هذا الانتشار والتشتت وعدم الاندماج الكامل كقومية يهودية في المجتمعات التىّ أمضوا حياتهم فيها؟ قد يجري التذرع بمسألة الربا ، لكن هذا تفسير تبسيطي حتى لو كان صادق ، وهي صورة نمطية وظفتها أوروبا طويلًا لتبرير الإقصاء ، بل يظل السبب الأعمق أن الدولة القومية الأوروبية لم تقبلهم كجزء من نسيجها ، فصنعت منهم «الآخر» الداخلي ، وهنا يصبح الأدب مرآة لهذا التوتر ، لا يمكن لأي باحث تجاهل مسرحية شكسبير «تاجر البندقية»، التىّ دارت أحداثها في مدينة البندقية ، إحدى منافذ إيطاليا ، يظهر من خلال شخصية شايلوك التعصب الديني والصراع التاريخي بين اليهود والمسيحيين ، وهو جانب مهم ومثير للجدل في المسرحية ، وإذا كان المرابي شايلوك قد وُصف بالدهاء ، فإن المحامية المسيحية بورشيا كانت أكثر دهاءً منه ، عندما استندت إلى تفكيك العقد بدقة ، فوضحت للمحكمة بأن شايلوك يحق له أخذ اللحم مقابل المال ، لكن ليس له أن يسفك قطرة دم ، وبذلك يصبح تنفيذ العقد مستحيلًا ، هذا هو جوهر السياسة : عقد يمنح الحق نظريًا ، لكنه يجعله مستحيلًا عمليًا ، وهذا ما حاول فعله جوزيف ستالين ، القائد البلشفي ورئيس الاتحاد السوفييتي ، في يهود روسيا عندما قرر مواجهة الفكر الصهيوني وتفريغه من بنيته .
كان البلشفيون يدركون خطر الصهيونية على العالم ، لذلك قرروا مبكرًا تأسيس أرض بديلة ليهود روسيا في أقصى شرق البلاد ، من أجل مواجهة الصهيونية ، وقد رأى ستالين أن الأرض الحدودية مع الصين ستوفر لليهود وطنًا قوميًا على شاكلة القوميات الأخرى في الاتحاد السوفييتي ، لذلك اتخذت القيادة السوفيتية قرارًا بنقل يهود روسيا إلى مدينة بيروبيجان كسلطة حكم ذاتي ، لكن تحت قوانين الدولة الجديدة ، وفي تلك الحقبة البلشفية انتهت الحياة الدينية بين السوفييت ، ومنهم اليهود ، وهو ما تطلعت إليه الدولة في إعادة تشكيل اليهود على الأسس الاشتراكية الشيوعية في أرض قومية يهودية بمعايير شيوعية ، هذا يفسر أيضًا أصل الصراع الدائر في إسرائيل بين المتدينين والعلمانيين ، فمعظم الروس الموجودين في إسرائيل اكتسبوا أنماطًا مختلفة في التفكير ، لكن مناخ المدينة وقساوة الجغرافيا أديا إلى فشل المشروع ، وبذلك تضخم مشروع الصهيونية في إقناع الأغلبية بالهجرة إلى فلسطين من أجل تأسيس دولة قومية يهودية هناك ، وهذا ما كانت القيادة السوفييتية تتخوف من تحقيقه ، لإدراكها خطورة المشروع الصهيوني على الأمن الدولي برمته ، وبالفعل ، منذ ذلك اليوم تفجرت المنطقة العربية بالحروب وعدم الاستقرار ، لكن فشل مشروع القومية اليهودية الاشتراكية في بيروبيجان ليس بالضرورة نجاحًا لمشروع القومية اليهودية الصهيونية في فلسطين ، فإذا كان العقد السياسي يمنح الاستيطان لحم الأرض ، فإنه لا يستطيع منع الدم ، وهذا يبقى العائق الجذري .
بالطبع ، الحركة الصهيونية لم تطلق على حركتها اسم بيروبيجان ، بل إن إصرارها على مصطلح «صهيون» له ارتباط بجبل صهيون في القدس ، وعلى الرغم من أن يهود العالم ، مع سقوط الإمبراطوريات والمماليك وظهور القوميات في أوروبا والعالم ، باتوا منقسمين حول إقامة دولة في الأرجنتين أو ألمانيا أو الاتحاد السوفييتي وغيرها ، فإن هذا الانقسام يفسر تقاطعات ستالين وهتلر وانقلاب العسكر في الأرجنتين على الرئيس الدستوري هيبوليتو يريغويين ، الذي يعتقد بعضهم أنه جاء بدعم القوى الصهيونية في البلاد ، لذلك يبقى الانقسام حتى اليوم بين القوميين العلمانيين والقوميين المتدينين ، وهو ما يفسر حجم الذين غادروا إسرائيل من العلمانيين بعد عملية طوفان الأقصى ، أو الذين يهددون بالمغادرة إذا ما شملتهم الخدمة العسكرية ، لكن الأهم أن الفكرة الصهيونية انتقلت تدريجيًا من فكرة الحركة والدولة والهيمنة ، لقد بدأت بتحرير الذات الذي كتب عنه الطبيب اليهودي ليون بينسكر ، ثم تحولت الفكرة إلى دولة قومية لحل مشكلة اليهود في العالم ، وطورها تيودور هرتزل إلى حركة سياسية ، ثم جاء فلاديمير أو «زئيف» جابوتينسكي ، فهو المؤسس الفعلي للحركة الصهيونية التنقيحية ، التىّ تمثل الجناح اليميني القومي المتطرف في الفكر الصهيوني ، ” الفكر الإرهابي ” ، وكل ما نشاهده اليوم من متطرفين يعتبرون من تياره ، ويؤمنون بأن الحل الأمني يمر عبر قتل الأطفال والتهجير ، حتى لا يتاح للفلسطينيين في المستقبل حمل السلاح .

وهكذا ، تبقى الحكاية أقرب إلى مسرحية سياسية ساخرة : طائرة تهبط ، وسبّاك يقود ، وترمب يتهكم على سردية تل ابيب ، ونتنياهو يمثّل ، أما الركاب ، فما زالوا يبحثون عن وطن لا يسفك دمهم ، بينما يُصرّ آخرون على أخذ لحم الفلسطيني بلا قطرة دم ، تلك هي المسرحية : فاشلة في الفكرة ، ناجحة في الضحايا…والسلام  

Weniger anzeigen

“سبّاك في قمرة القيادة : مسرحية صهيونية بين عقد اللحم وقطرة الدم …” comment for

  1. لانوافق الكاتب على سرديته , ولكن لكل الحرية في طرح اي فكرة يريدها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *