مروان صباح :
ومع تكرار هذه المشاهد ، قد تتحول الملاحظة إلى قاعدة سلوكية : قل ما يرضي الآخر ، لا ما تؤمن به بالضرورة ، وعندما تنتقل هذه القاعدة من الحياة اليومية إلى المجال السياسي ، تصبح آثارها أكثر خطورة ، فالسياسة تحتاج إلى الخطاب والإقناع ، لكن المشكلة تبدأ عندما ينفصل الخطاب عن الواقع ، ويصبح الهدف صناعة صورة عن الحقيقة بدلاً من مواجهة الحقيقة نفسها ، ومن النوادر السياسية المتداولة في هذا السياق حكاية مرتبطة بالزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف ، عن عامل أُعلن عن منحه منزلاً وسيارة مكافأةً لاجتهاده ، ثم تكرر الإعلان في العام التالي ، رغم أنه لم يتسلم شيئاً ، وحين شكا العامل أمره ، أخرج مدير المصنع الجريدة التى كانت في صفحتها الأولى قد نشرت صورة العامل هو يقف امام البيت وبجانبه السيارة ، فقال الرئيس نيكيتا خروتشوف: «السيارة والبيت استلمتهما بالفعل ، لكن يبدو أنك لا تقرأ صحيفة البرافدا!» ، ولهذا ، كان بعض أعضاء الحزب يتهكمون على جريدة الحزب ، قائلين إنها كانت شديدة الصدق قبل انتصار الثورة ، لكنها تغيّرت بعد ذلك ، ومع تصاعد القضايا العمالية واندلاع الإضرابات ، لم يتردد النظام في اعتقال عدد من محرريها ، في محاولة للحد من الأصوات المنتقدة والتضييق على ما يُنشر من مشكلات تتعلق بالعمال ، فهي من النوادر التي راجت للسخرية من الإعلام الرسمي السوفيتي ، فإن دلالتها تكمن في المفارقة : يمكن للإعلام أن يصنع صورة عن الواقع ، لكنه لا يستطيع أن يحوّل الصورة إلى حقيقة يعيشها الإنسان ، وهنا يتحول النفاق من كذبة فردية إلى مشكلة اجتماعية ؛ إذ يصبح التظاهر بالحقيقة أكثر أهمية من الحقيقة نفسها ، فالإنسان الذي يتعلم منذ طفولته أن الصراحة قد تعرضه للعقاب ، وأن المجاملة تحميه ، وأن إخفاء الحقيقة يجعله أكثر أمناً ، قد لا يرى في النفاق عيباً أخلاقياً ، بل وسيلة ضرورية للبقاء .
وعند هذه النقطة يبدأ التشوه الحقيقي في شخصية الإنسان ، فمهما كبر الإنسان ، ومهما ارتفع مستواه الأكاديمي والثقافي ، قد يبقى عاجزاً عن ممارسة حريته إذا كان قد تعلم منذ البداية أن النجاة تتطلب إخفاء ذاته ، وقد يطلق على هذه القدرة أسماء مثل النضج أو الذكاء الاجتماعي أو حسن التصرف ، بينما قد تكون في جوهرها تكيفاً مع الخوف ، فالنضج هو أن يعرف الإنسان كيف يتعامل مع الآخرين من دون أن يفقد ذاته ، أما النفاق فهو أن يتخلى عن ذاته كي يحافظ على علاقته بالآخرين ، ومن هنا تصبح القضية مرتبطة بالحرية والكرامة ، لا بالكذب وحده ، فالإنسان الذي يخشى التعبير عن رأيه ، أو الاعتراف بخطئه ، أو الاعتراض على ما يراه خاطئاً ، يعيش تحت رقابة لا تنتهي ، ومع الوقت ، قد تنتقل الرقابة من الخارج إلى الداخل ، فيصبح الإنسان حارساً على نفسه ، وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والمجتمع والسلطة ، فإذا تعلّم الطفل أن السؤال وقاحة ، والاختلاف خطراً ، والاعتراف بالخطأ ضعف ، وأن قول الحقيقة قد تكون له عواقب لا يستطيع تحملها ، فإنه لن يتعلم الحرية بقدر ما سيتعلم تجنب الخسارة .
لذلك لا يكفي أن نسأل : لماذا يكذب الإنسان؟
الأهم أن نسأل : ما نوع البيئة التىّ تجعل الإنسان يحتاج إلى الكذب كي يعيش؟ ، فالإنسان لا يولد وهو يحمل قاموساً جاهزاً للنفاق ؛ إنه يتعلمه كما يتعلم اللغة والعادات وأنماط السلوك ، وكلما اتسعت مساحة الخوف وضاقت مساحة الاختلاف ، ازدادت الحاجة إلى الأقنعة ، ولهذا تبقى الطفولة نقطة البداية ، فالطفل ، قبل أن يدخل في شبكة المصالح والحسابات ، يقول الأشياء غالباً كما يراها ، قد يكون صادقاً إلى درجة الإحراج ، لكنه لا يزال قريباً من ذاته ، أما الإنسان الذي يتقدم في العمر داخل بيئة تقوم على المجاملة والخوف ، فقد يتعلم كيف يقول «نعم» عندما يريد أن يقول «لا»، وكيف يمدح ما لا يعجبه ، وكيف يصمت عندما تصبح الحقيقة مكلفة.
وليس كل ما نكتسبه مع العمر يمثل نضجاً ؛ فبعضه قد يكون مجرد طرق أكثر تعقيداً لحماية الذات .
لذلك فإن حماية الطفل لا تعني عزله عن المجتمع ، وإنما توفير بيئة لا تجعله مضطراً إلى ارتداء قناع كي يحظى بالقبول ، عليه أن يتعلم أن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة ، وأن الاختلاف لا يعني العداء ، وأن الصراحة ليست ضعفاً ، وأن الكرامة ليست ثمناً للبقاء ، فإذا اضطر الطفل إلى إخفاء ذاته كي يعيش ، فإن المجتمع لا يربي إنساناً حراً ، وإنما يربي شخصاً يجيد التكيف مع الخوف .
وربما لهذا السبب ، عندما يصل الإنسان إلى لحظة صفاء في حياته ، يتمنى أحيانًا أن يتخلى عن أشياء كثيرة اكتسبها ، مقابل استعادة شيء واحد فقده في الطريق : ذلك الطفل الذي كان يسكن داخله ، قبل أن يتعلم الخوف ، ولعل فقدان ذلك الطفل لا يظهر دائمًا في صورة حنين إلى الماضي ، بل قد يظهر أحيانًا في الطريقة التىّ يبحث بها الإنسان عن الأمان في الآخرين.
ومن هنا يمكن فهم حالة الطفولية التىّ نراها بين رجال اليوم ؛ فكثير منهم يبحثون عن زوجات يشاركنهم أعباء الحياة ونفقاتها ، وكأنهم في الحقيقة يبحثون عن أمهاتهم ، فلو كان الرجل رجلًا ، لما قبل أن تمتد يده إلى دخل زوجته أو أن يعتمد عليه في تحمّل أعباء حياته .
فالمشكلة ليست أن الإنسان يكبر ، وإنما أن يكبر ثم يكتشف أنه تعلم كيف يعيش ، لكنه لم يتعلم كيف يكون حراً … والسلام 
Weniger anzeigen
